محمود عبد الراضى

ذوق تائه

الأربعاء، 10 يونيو 2026 01:57 م


كان الشارع يوماً ما أشبه برواية فرنسية كُتبت بنفحات شرقية، حيث كانت الأرصفة تُغسل بالماء، وتُعطر بالكلمة الطيبة والمجاملة الراقية.

اليوم، تلاشت تلك الملامح، واستُبدلت "الشياكة" بـ "الـشكوى"، وتحول الذوق العام من قانون غير مكتوب يلتزم به الجميع، إلى "أثر بعد عين" نبحث عنه في ثنايا الصور القديمة والأفلام الأبيض والأسود.

إننا نعيش اليوم مواجهة صامتة بين "شياكة زمان وفوضى اليوم"، تسأل فيها العيون المتعبة: أين تاه "الإتيكيت" المصري الذي كان يمنح الشارع هيبته، ويجعل من المعاملات اليومية سيمفونية من الود والاحترام المتبادل؟

تأمل معي مشهد المواصلات بين الأمس واليوم لتدرك حجم التبدل والتحول؛ في الماضي، كان ركوب الحافلة أو "الترام" طقساً تحكمه أصول صارمة، حيث ينتفض الشاب واقفاً تلقائياً ليترك مقعده لـ "هانم" تكبره سناً أو تماثله، وكان صوت البائع أو الكمساري يحمل وقاراً لا يخدش حياءً.

أما اليوم، فقد تحولت المحطات إلى ساحات عراك بين البعض ـ أحيانا ـ ، وصار "الميكروباص" حلبة للتدافع بالأكتاف والألفاظ، وانزوت الأصول خجلاً أمام منطق "الـفهلوة" و"السبق للمقعد".

تحولنا من مجتمع يُعلي قيم "الـخطوة العفيفة" والكلمة الموزونة، إلى مجتمع محكوم بالصخب، حيث الصوت العالي يُمثّل الحق، والـجدعنة تراجعت لتترك مكانها للأنانية العابرة، وإن كان ذلك استثناءًا وليس قاعدة.

المفارقة الساخرة تكمن في طريقة تعاملنا اليومي؛ فالصباح الذي كان يبدأ بعبارات دافئة مثل "يا فتاح يا عليم" و"صباحك نادِ يا بيه"، تبدل إلى تلاسن مروري لا ينتهي، ونظرات حادة تتربص بأي هفوة.

تاهت الكلمات السحرية التي كانت تفتح المغاليق وتلين القلوب، مثل "العفو" و"تسمح لي" و"ممنون"، وحلت محلها لغة جافة وخشنة تخلو من النَّفَس الإنساني.

لقد خسرنا "إتيكيت" ابن البلد الذي لم يتعلم في معاهد الدبلوماسية، لكنه كان يمتلك حسّاً فطرياً يجعله يغض بصره عن جاراته، ويحمي عابر السبيل، ويزن الكلمة قبل أن تخرج من شفتيه خوفاً من تجريح النفوس.

استعادة هذا الرقي المفقود ليست رفاهية، بل هي ضرورة لإنقاذ السلم الاجتماعي والصحة النفسية للشارع.

يبدأ الحل من العودة إلى المربع الأول؛ من التربية داخل البيوت التي تعيد إحياء كلمة "حاضر" و"من فضلك"، ومن المدارس التي يجب أن تُدرّس السلوك قبل الحساب.

نحتاج أن ندرك جميعاً أن الشياكة ليست في الملابس الفاخرة أو السيارات الفارهة، بل في طريقة العبور، وفي الابتسامة الملقاة على وجوه العابرين، وفي إفساح الطريق للمترجل.

إن إعادة "الإتيكيت" إلى الشارع هي معركتنا الكبرى لإنقاذ هوية وطن كان دائماً يُعلم الدنيا بأسرها معنى الفن والجمال والرقي والذوق الرفيع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة