الفنان والفن المصري والقوة الناعمة
في هذا المقال أتحدث عن دور الفن والفنان المصري في تشكيل الهوية كجزء من الشخصية المصرية المتفردة، ولا شك أن الفن لعب دورا أساسيا في تشكيل الرأي العام في كل عصر من العصور.
ولا شك أيضا أن مصر قد عرفت كل أنواع الفنون منذ بدء التاريخ وحتى العصر الحديث والمعاصر، فنجد أنه، على سبيل المثال، في مصر القديمة لعب الفن دورا هاما جدا في تشكيل الشخصية والهوية المصرية، وبعد ذلك وحتى في الأوقات التي كانت تعيش فيها مصر تحت احتلال أجنبي، مثل الفترات المعروفة باسم الفترة الإغريقية والفترة الرومانية والفترة البيزنطية.
ولا شك فإن الفنان هنا كان يحاول أن يحافظ على شخصيته وهويته المستقلة حتى لا تذوب في شخصية المستعمر، بل كان يحافظ عليها سواء من حيث المادة الخام أو من حيث اختيار الموضوعات فيما يتعلق بالفنون التشكيلية والتطبيقية.
على أن العصر الحديث قد شهد معرفة مصر بفن المسرح والسينما، وهي الفنون التي بدأت تشكل جزءًا كبيرًا جدًا من الرأي العام العالمي، فكما أن السينما العالمية عرفت لها أبطالا وعرفت لها ممثلين يُشار إليهم بالبنان على مستوى العالم كله.
وفي الوقت نفسه كانت السينما المصرية والفنانون المصريون يمثلون شخصيات ينظر إليها على أنهم نجوم يحتذى بهم في كل العالم العربي، وكان الفيلم المصري هو الفيلم، ربما الوحيد، ولفترة طويلة من الزمن، السائد، وهو الذي يعرفه ويتذوقه ويحرص على مشاهدته كل الناس في أقطار العالم العربي.
كما أن الفنان المصري نفسه هو الشخصية التي يجتمع حولها كل أفراد الشعب العربي، يتابعون أنشطتهم ويتابعون ما يقومون به من أعمال، والتي كانت تنتشر من مصر وبسرعة لتشمل كل أنحاء العالم العربي شرقه وغربه، كما كانت المسلسلات الإذاعية المصرية التي كانت تبث من الإذاعة المصرية، التي هي أقدم الإذاعات في العالم العربي، كما كانت السينما المصرية أقدم السينمات في العالم العربي، كذلك الأمر بالنسبة للفنانين المصريين. كل هذه الأشياء أصبحت تساهم إلى حد كبير في تقريب المفاهيم وتعيد خلق أسس وعوامل مشتركة تجمع بين هذه الشعوب.
وإذا تحدثنا مثلا عن فن الغناء، فنجد أن عمالقة الغناء المصري، مثل عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وغيرهم، كل هؤلاء المطربين، وإن كان بعضهم من أصول غير مصرية، إلا أنهم عندما اشتغلوا بالفن على أرض مصر تمصروا، واشتهروا من خلال اللهجة المصرية، والتي أدوا بها أغانيهم وتكلموا بها في المسلسلات أو الأفلام أو المسرحيات، حتى أصبحت هذه اللهجة قاسما مشتركا يجتمع عليه الناس في شرق هذه الأمة وغربها وشمالها وجنوبها.
كما لعبت الموسيقى دورا هي الأخرى في تشكيل الوعي والهوية المصرية والعربية، وبذلك أصبح لدينا عوامل مختلفة كلها تجتمع في الفن وتجتمع تحت مسمى الفن وفي إطاره. مثال ذلك الحفلة الشهرية للسيدة أم كلثوم، التي كان يجتمع إليها من يستطيع ماديًا أن يأتي إلى القاهرة ليستمع إليها في قاعات جامعة القاهرة ومسرح الأزبكية ومسرح الجمهورية وغيرها من المسارح التي غنت عليها أم كلثوم، بل لا نستطيع أن نبالغ إذا قلنا إن أم كلثوم شكلت رافدا هاما من روافد الوحدة العربية من خلال تبنيها لقصائد شعرية لشعراء من الخليج ومن السودان ومن شمال أفريقيا لتتغنى بها باللهجة المصرية، فتزيدها انتشارا، وتزيد الناس تعلقا بها.
كما كان للفيلم المصري، وخاصة في مراحله الأولى ومن خلال أبطال الكوميديا مثل إسماعيل ياسين وعبد الفتاح القصري والكسار ونجيب الريحاني أو غيرهم، كانت هذه الكوميديا يضحك لها كل الناس في العالم العربي.
وكان الفيلم المصري في ذلك الوقت يعبر عن هذه الوحدة العربية بغير صخب وبغير صوت عالٍ وبهدوء تام، وكان الإنسان يستطيع أن يرى الشامي إلى جوار المصري إلى جوار السوداني إلى جوار الخليجي في وحدة واحدة من خلال الفيلم أو الدراما المصرية. ولا شك أن الدراما المصرية، وخاصة في العصر الحديث، لعبت الدور الكبير في زيادة الوعي القومي والوعي الوطني.
لقد ازدادت أهمية الفنان والفن المصري بمرور الوقت، بل وأصبحت القاهرة قبلة لكل مبدع في مجال الفن من شعر ونثر ودراما وتمثيل وغناء وموسيقى، وصار كل صاحب موهبة يتمنى أن يقيم في عاصمة الفن القاهرة. وجاء إلى مصر العشرات بل المئات من الفنانين من غرب وشرق العالم الإسلامي والعربي ليجدوا أمامهم فرصا ومجالات أوسع وأعمق مما كانوا يعيشون في أوطانهم، وصار هؤلاء بمرور الوقت نجوما يشار إليهم بالبنان في العالم العربي كله.
فحينما جاء نجيب الريحاني من العراق لم يكن نجمًا، وإنما أصبح نجمًا حينما أطل على العالم العربي من شاشة السينما المصرية، وحينما جاء فريد الأطرش وأسمهان من بلاد الشام عرفا طريق النجومية من على المسارح المصرية ومن خلال الإذاعة والسينما المصرية. وحينما جاء آخرون من السودان أو المغرب والجزائر وتونس لمعت أسماؤهم في سماء القاهرة فعرفهم العالم العربي كنجوم عرب.
وإذا توقفنا أمام ظاهرة أم كلثوم سوف نجد أنها استطاعت خلق وحدة مشاعر وعواطف حول أغانيها العاطفية امتدت من أقصى الخليج إلى أقصى المحيط، بل وكانت حفلاتها في العالم العربي وخارجه بعد يونيو 1967 عنوانا للصمود ورمزا لتلاحم الشعوب العربية ووقوفها مع مصر للنهوض من جديد وقيادة الأمة ورفع الغمة عنها، كذلك كان محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وغيرهم.
بل لا أبالغ إذا قلت إن الفن والفنان الشعبي المصري كان له مكانة مميزة في العالم العربي على الرغم من كونه يغني باللهجة المصرية، التي أصبحت اللهجة المحببة لدى العرب جميعًا، وأصبحت رمزا من رموز القوة الناعمة لمصر، يتحدث بها العرب للدلالة على وحدتهم.
وفي مجال التمثيل كان الممثل المصري هو الأكثر حضورا والأكثر انتشارا في العالم العربي، وكان يُلقب بالفنان العربي افتخارًا به، واستطاعت مصر من خلال إرسال عمالقة الفنانين إلى مختلف البلدان العربية تأسيس مدارس فنية محلية سواء في المسرح أو السينما والدراما الإذاعية.
واستقبلت المعاهد الفنية المصرية المئات من الدارسين العرب سواء في مجال الموسيقى أو الغناء، وتخرج النجوم العرب من هذه المعاهد، وصارت المهرجانات الفنية المصرية مناسبات قومية للظهور الإعلامي لكل الفنانين العرب.
وأطلت مصر بوجهها العربي على الأغنية الوطنية التي تتغنى بآمال وطموحات أبناء هذه الأمة من خلال مطربيها الأشهر مثل عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وصباح وشادية وفايزة أحمد وغيرهم من المطربين الذين تغنوا بآمال وطموحات الأمة العربية في أغان أصبحت علامات مميزة ورمزا من رموز القوة الناعمة المصرية وجزءا من الهوية والشخصية المصرية.