من حين إلى آخر تعود مواقع التواصل الاجتماعي إلى صناعة حكايات قصيرة، محكمة في ظاهرها، ومريحة في معناها، تصلح للتداول السريع، وتمنح القارئ درسًا جاهزًا عن الإرادة والانضباط ومقاومة الانكسار. ومن بين هذه الحكايات، انتشر منشور يقول إن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل كان كلما شعر بالاكتئاب يضع 200 طوبة يوميًا، حتى بنى جزءًا من منزله بيديه.
تشرشل والبناء .. حقيقة ولا مبالغة
الحكاية جذابة، والرسالة التي تحملها مفهومة: أن العمل اليدوي، والالتزام اليومي، وتحويل الألم إلى فعل، يمكن أن تكون وسائل للنجاة. غير أن الجاذبية لا تكفي وحدها كي تتحول الحكاية إلى حقيقة كاملة.
الثابت تاريخيًا أن تشرشل كان يمارس البناء بالطوب في منزله الريفي "تشارتويل"، وأنه انشغل بالفعل بتشييد جدران ومنشآت صغيرة داخل المكان، كما انضم عام 1928 إلى اتحاد عمال البناء، وهو ما يجعل أصل الحكاية صحيحًا من حيث ممارسة الرجل لهذا النشاط. وترد عنه كذلك عبارة شهيرة تربط بين الكتابة والبناء، مفادها أنه كان ينجز في اليوم "200 طوبة و2000 كلمة"، بما يعكس جانبًا من شخصيته التي جمعت بين السياسة والكتابة والرسم والعمل اليدوي.
لكن الجزء الذي تضيفه السوشيال ميديا إلى الحكاية، وهو أنه كان يفعل ذلك كلما هاجمه الاكتئاب، يحتاج إلى تدقيق أكبر. فقد ارتبط اسم تشرشل بتعبير "الكلب الأسود"، الذي صار شائعًا بوصفه إشارة إلى المزاج السوداوي أو الثقل النفسي، غير أن تحويل هذا التعبير إلى تشخيص مباشر، ثم بناء قصة علاج يومي بالطوب فوقه، يمثل قفزة في المعنى أكثر من كونه واقعة موثقة.
هنا تظهر طريقة السوشيال ميديا في التعامل مع التاريخ، تأخذ تفصيلًا حقيقيًا، ثم تضيف إليه جملة مؤثرة، ثم تخرجه في صورة حكمة جاهزة، يمارس تشرشل البناء فعلًا، فتضيف الحكاية: "كان يعالج اكتئابه". يكتب آلاف الكلمات، فتضيف الحكاية: "كان ينجو من نفسه". وبين الواقعة والتأويل تتسع المسافة التي تصنع منها المنصات قصة قابلة للمشاركة.
الحقيقة الأقرب أن تشرشل كان يجد في العمل والكتابة والرسم والبناء مساحات للتوازن ومقاومة ضغط الحياة العامة، وهذا معنى إنساني معتبر، لكنه يختلف عن القول الحاسم بأنه كان يضع 200 طوبة يوميًا بوصفة علاجية ضد الاكتئاب. أصل الحكاية حقيقي، أما العبارة المتداولة فهي إعادة صياغة تحفيزية زادت على الواقعة ما يجعلها أكثر لمعانًا وأقل دقة.