يستيقظ بعض المواطنين كل صباح ليواجهوا معركة من نوع خاص، ليست معركة كسب العيش فحسب، بل هى معركة البحث عن «مساحة مترين» ليركن فيها سيارته.
«إتاوة» مقننة تحت مسمى «أجرة الركنة»
وبمجرد أن تلامس عجلات السيارة حافة الرصيف، يظهر من العدم شخص يحمل «فوطة» صفراء مهترئة، يلوح بها فى الهواء كأنه يمتلك الشارع وما عليه، مطالباً بـ«إتاوة» مقننة تحت مسمى «أجرة الركنة».
هذا المشهد، وإن كان استثناء وليس قاعدة، بات يتكرر فى بعض شوارع القاهرة والمحافظات، حيث يعانى البعض من منتحلى صفة سايس الذين نصبوا أنفسهم أباطرة للشارع دون ترخيص أو سند قانونى، محولين الأرصفة العامة إلى ملكية خاصة يتاجرون بها.
وتبدأ القصة من تلك المشاهد العبثية التى نراها أحيانا؛ حجارة ضخمة، سلاسل حديدية، وصناديق خشبية قديمة، تُوضع بعناية بجوار الأرصفة فى الشوارع الحيوية.
هذه ليست مخلفات بناء، بل هى «أدوات حجز» يستخدمها هؤلاء الأشخاص لمنع أى مواطن من ركن سيارته إلا بعد «الاستئذان» ودفع المعلوم.
ولم تقف الأمور عند حد المشادات الكلامية، بل رصدت سجلات الحوادث عددا من المشاجرات التى تحولت إلى اشتباكات دموية بين أصحاب السيارات ومنتحلى صفة السايس، فبمجرد أن يرفض المواطن دفع مبلغ يراه مبالغاً فيه أو يرفض الدفع من الأساس لعدم وجود ترخيص، يبدأ السايس فى مضايقته، وقد يصل الأمر إلى إتلاف السيارة عمداً بآلة حادة أو «خدش» الطلاء، وفى حالات أسوأ، يتم التعدى بالضرب على صاحب السيارة أمام عائلته.
السايس منتحل الصفة يتخذ من المهنة ستاراً لأعمال أخرى
شهود عيان فى مناطق مثل وسط البلد والدقى ومدينة نصر أكدوا أن بعض هؤلاء المنتحلين يتخذون من المهنة ستاراً لأعمال أخرى، وأنهم يفرضون سيطرتهم بالبلطجة، مستغلين حاجة الناس الماسة لركن سياراتهم فى أماكن مزدحمة».
أمام هذه التجاوزات، لم تقف وزارة الداخلية مكتوفة الأيدى؛ حيث شنت الإدارة العامة للمرور بالتنسيق مع قطاع الأمن العام ومديريات الأمن المختلفة، حملات أمنية مكبرة ومستمرة لضبط «بلطجة السياس» ومنتحلى الصفة فى الشوارع والميادين.
هذه الحملات استهدفت بشكل مباشر هؤلاء الذين يمارسون المهنة دون تصريح رسمى من المحافظة أو الأحياء، والذين يتسببون فى إعاقة حركة المرور وفرض مبالغ مالية على المواطنين دون وجه حق.
التحركات الأمنية لم تكن مجرد رد فعل، بل هى استراتيجية منظمة لإعادة الانضباط للشارع، حيث أسفرت تلك الحملات عن ضبط عددا من الأشخاص ممن يمارسون هذا النشاط الإجرامى، وتمت إحالتهم للنيابة العامة بتهم البلطجة، وإشغال الطريق، والنصب، وممارسة مهنة دون ترخيص.
فى هذا السياق، أشاد عدد من خبراء الأمن بالضربات الاستباقية التى توجهها وزارة الداخلية لظاهرة «السايس غير المرخص».
يقول اللواء دكتور علاء عبد المجيد (خبير أمنى) إن هذه الوقائع تمثل تهديداً للأمن الاجتماعى وليس فقط المرورى، لأنها تسمح لأشخاص مجهولى الهوية والتريند بالسيطرة على الشوارع، مما قد يسهل ارتكاب جرائم أخرى مثل السرقة أو مراقبة المنازل.
وأكد أن تواجد رجال الشرطة فى الميادين لضبط هؤلاء البلطجية أعاد للمواطن شعوره بالأمان، مشيرا إلى أن القانون لتنظيم أماكن انتظار المركبات وضع حداً لهذه العشوائية.
ووجه خبراء الأمن ومسؤولو المرور عدة نصائح مهمة للمواطنين لمواجهة تغول هؤلاء الأشخاص، وتتلخص فى الآتى:
1- اطلب الرخص: من حقك القانونى أن تطلب من الشخص الذى يطالبك بالمال إبراز «الكارنيه» الرسمى الصادر من المحافظة أو الحى، والذى يثبت أنه سايس معتمد.
2- لا تذعن للتهديد: فى حال تعرضك للتهديد أو محاولة إجبارك على الدفع، لا تدخل فى مشاجرة جسدية قد تعرض حياتك للخطر، بل توجه فوراً لأقرب دورية أمنية أو نقطة شرطة.
3- التوثيق: حاول توثيق الواقعة بهاتفك المحمول إذا أمكن، أو تصوير «الحجارة» والحواجز التى يضعها، لتقديمها كدليل عند البلاغ.
4- سرعة الإبلاغ: خصصت وزارة الداخلية أرقاماً للنجدة (122) وشكاوى المرور، كما يمكن تقديم بلاغ رسمى فى قسم الشرطة التابع له المنطقة، حيث يتم التعامل مع هذه البلاغات بكل حزم وفوراً.
والقانون لم يترك مساحة للتلاعب فى هذا الملف؛ فوفقاً لقانون تنظيم أماكن انتظار المركبات فى الشوارع، فإن ممارسة مهنة «سايس» دون ترخيص تضع صاحبها تحت طائلة العقوبات القاسية. تنص المادة (15) من القانون على أنه «يُعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ألفى جنيه ولا تتجاوز عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من مارس نشاط تنظيم انتظار المركبات فى غير الأماكن المحددة أو دون ترخيص».
كما تغلظ العقوبة فى حال العود (تكرار الفعل)، بالإضافة إلى أن من يقوم بوضع حواجز أو حجارة لإشغال الطريق العام يُعاقب وفقاً لقانون الطرق والمواصفات العامة.