شحاتة زكريا

مصر والخليج.. فلسفة الجسد الواحد في زمن الانكسارات الكبرى

الجمعة، 08 مايو 2026 09:09 م


لا يمكن قراءة المشهد الراهن في الشرق الأوسط بمعزل عن منطق التاريخ وقوانين الجغرافيا. فالرابط الوثيق الذي يجمع بين مصر ومنطقة الخليج العربي لم يكن يوما مجرد تضاريس متجاورة أو مصالح عابرة، بل هو صياغة قدرية لمصير واحد يتجاوز حدود اللحظة السياسية الراهنة. وإذا كانت القراءات السياسية المعتادة تضع مصر في خانة صمام الأمان فإننا بحاجة اليوم إلى الغوص أعمق في ماهية هذا الأمان ليس كفعل دفاعي طارئ تفرضه الأزمات بل كعقيدة استراتيجية وقيمة حضارية متجذرة في الوجدان القومي العربي.

 

إن ما يجمع القاهرة بعواصم الخليج اليوم يتخطى مفاهيم الاتفاقيات التقليدية لينصهر في بوتقة ما يمكن تسميته بوحدة المصير الجيوسياسي، حيث أدركت القيادة المصرية بوعيها التاريخي أن أمن الخليج ليس ملفا فرعيا على طاولة الخارجية، بل هو نبض حي في صميم الأمن القومي المصري لا يقبل التجزئة ولا يحتمل التأويل.


هذا التكامل الوجودي يفرض علينا النظر إلى دور الدولة المصرية باعتباره المرساة التي تحفظ للسفينة العربية توازنها وسط أمواج عاتية من الأطماع الإقليمية والدولية التي تحاول استغلال الفراغات الناجمة عن تصدع بعض القوى. وهنا تبرز عبقرية الموقف المصري الذي عبر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارا مؤكدا أن المساس بسيادة أي دولة خليجية هو محاولة لكسر التوازن التاريخي للمنطقة برمتها.

 

وفي هذا السياق تكتسب التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة تجاه الأشقاء في الإمارات وسلطنة عمان أبعادا رمزية وعملية في آن واحد فهي ليست مجرد زيارات بروتوكولية بل هي تأكيد لأخلاقيات القوة التي تنتهجها مصر حيث تسخر ثقلها التاريخي لصون الاستقرار وقطع الطريق على دعاة الحروب والدمار الذين يقتاتون على تفتيت وحدة الصف العربي.. وعلى جانب آخر تبرز زاوية جوهرية في بناء هذا التحالف الصلب وهي تحول العلاقة المصرية-الخليجية من صيغ التعاون التقليدي إلى مرحلة التكامل التنموي الشامل.

 

إن هذا التداخل ليس مجرد تبادل للاستثمارات بل هو عملية تأمين متبادل عبر الاقتصاد فحين ترتبط مصالح الشعوب بمشاريع قومية عملاقة وخطط مستقبلية مشتركة ينشأ درع واقٍ يتجاوز القوة العسكرية المباشرة ليكون قوة ناعمة قادرة على امتصاص الصدمات العالمية. هذا التشابك في المصالح هو الذي يخلق جبهة موحدة قادرة على صياغة ترتيبات ما بعد الحرب برؤية عربية خالصة ترفض الوصاية وتأبى أن تكون المنطقة مجرد ساحة لتصفية حسابات القوى غير العربية. فالقوة الحقيقية اليوم لا تكمن في القدرة على المواجهة فحسب بل في القدرة على الاصطفاف الذي يجعل من الاختراق أمرا مستحيلا.

إن مصر وهي تؤدي دور الحارس الأمين لعمقها الخليجي إنما تنطلق من ثوابت لا تتغير بتغير موازين القوى الدولية وهي أن العرب في جملتهم جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وهذا النهج العقلاني الذي تتبعه القاهرة في تغليب لغة الحوار مع الحفاظ على أنياب الردع هو الذي يمنح المنطقة بصيص الأمل للخروج من النفق المظلم.

وفي نهاية المطاف سيظل التاريخ يسجل أن قوة العرب بدأت حين توحدت إرادتهم وأن الضعف لم يجد له سبيلا إلا حين ظن البعض أن النجاة الفردية ممكنة في عالم لا يحترم إلا الكيانات الكبرى.

ستبقى مصر دائما هي السند الذي لا يميل وسيبقى الوفاء الخليجي هو الذخر الذي يشد عضد الأمة ليبقى هذا التحالف هو الحقيقة الوحيدة الصامدة في زمن الانكسارات الكبرى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة