لم تكن العلاقات المصرية العربية مجرد فصول عابرة في سجل الدبلوماسية، بل هي ملحمة تاريخية تنسج بخيوط المصير المشترك "والذاكرة الوطنية الخالدة، فمصر لم تكن يوما دولة هامشية أو لاعبا عابرا في المعادلة الإقليمية، بل ظلت دائما رقما صعبا وقوة محورية في صياغة توازنات المنطقة في أزمنة العواصف والمتغيرات، ومن الخليج إلى المحيط، تظل القاهرة نبضا واحدا مع أشقائها، تتحرك بدافع المسؤولية التاريخية، وإدراك عميق بأن أمن المنطقة العربية كتلة واحدة لا تتجزأ، وأن أي اختراق في جدارها يمس الجميع دون استثناء.
وفي الوقت الذي تشهد فيه هذه العلاقات حالة من التماسك غير المسبوق، تتحرك جماعة الإخوان الإرهابية وأذرعها الإعلامية بصورة محمومة وبائسة، محاولة نسج سراب من الخلاف والتوتر بين مصر وأشقاءها معتمدة على أدوات قديمة عفا عليها الزمن: الشائعات، وتزييف الوقائع، وانتزاع التصريحات من سياقها، ومحاولة تضخيم أي اختلاف طبيعي في وجهات النظر ليبدو وكأنه أزمة هيكلية، لكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن هذه الجماعات تدرك جيدا أن تقارب مصر مع محيطها العربي يمثل ضربة قاصمة لمشروعها القائم على التفكيك وإضعاف مؤسسات الدولة الوطنية لذا، تلجأ إلى اللجان الإلكترونية والمنصات المظلمة، آملة في زعزعة الثقة بين الشعوب وقياداتها، متناسية أن زمن التضليل قد ولى.
اللافت في المشهد الراهن أن هذه المحاولات تتهاوى أمام حالة من الوعي الشعبي المتجذر، الذي نضج بعد سنوات من الاختبار والمرارة و أدركت الجماهير العربية، عن تجربة لا عن سماع، أن التنظيمات المتطرفة لا تبني أوطانا ولا تحمي مقدسات، بل تعيش على استنزاف الطاقات، وإشعال الصراعات، وتحويل الدول إلى ساحات للفوضى وأن الواقع العملي على الأرض يفضح كل رواية مفبركة؛ التنسيق السياسي المتواصل، وحجم الاستثمارات المتبادلة، وتكامل البنى التحتية، وكثافة الزيارات الرسمية والشعبية، كلها شواهد حية تؤكد أن العلاقات المصرية العربية تقوم على صخر متين، لا تهزه حملات إلكترونية أو خطابات تحريضية مدفوعة بأجندات خارجية أو داخلية فاشلة.
لقد نجحت الدولة المصرية، في بلورة سياسة خارجية رصينة تقوم على الاحترام المتبادل، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم سيادة الدول، وترسيخ استقرار المؤسسات الوطنية و هذا النهج منح مصر مصداقية واسعة لدى الشعوب والقيادات على حد سواء، فالقيادة السياسية المصرية تتعامل مع الملفات الإقليمية بعقلية استراتيجية طويلة الأمد، بعيدا عن المزايدات الإعلامية أو ردود الفعل الانفعالية، إدراكا منها لحجم المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية التي تحيط بالمنطقة في ظل تسارع التحالفات الدولية.
إن قوة مصر وعلاقاتها المتوازنة مع أشقائها تمثل اليوم أحد أهم مرتكزات الاستقرار الإقليمي وما تحقق من شراكات تنموية، واتفاقيات طاقة، ومشاريع لوجستية كبرى، يعكس رؤية عربية موحدة لبناء مستقبل أكثر تكاملا وصمودا ولذلك، فإن محاولات الوقيعة ستصطدم دائما بحقائق الجغرافيا والتاريخ والمصلحة المشتركة.
الجماعات المتطرفة تراهن على سلاح الحروب النفسية، لكنها فقدت قدرتها على اختراق الشارع، الذي أصبح يرى في التضامن العربي صمام الأمان الوحيد لمواجهة تحديات العولمة، وتقلبات الأسواق، والأزمات الإنسانية المتلاحقة وفي المحصلة، ستبقى الروابط العربية أقوى من أي حملة تشويه، لأن ما يجمع هذه الدول ليس تحالفات مصلحة عابرة، بل تاريخ مشترك، ودماء تسيل في عروق واحدة، وتحديات تواجه الجميع بصدر واحد أما دعاة الفرقة والإرهاب، فسيظلون عاجزين عن إدراك أن زمن العبث بأمن الدول العربية قد انقضى إلى غير رجعة، وأن وعي الشعوب، وصلابة مؤسسات الدولة، والإرادة السياسية الواحدة، كفيلة جميعها بتحويل كل مخططات الوقيعة إلى أوهام تتبدد مع شمس الحقائق.