‫محمد عبد المنعم شرباش‬‬‬‬‬‬‬

سيكولوجية الخطاب الملكي

الجمعة، 08 مايو 2026 12:00 ص


استحضرت على الفور ما قاله الشاعر العربي القديم "الفرزدق" مفاخراً وهاجياً خصمه اللدود "جرير": (أولئك آبائي فجئني بمثلهمْ // إذا جمعتنا يا "جريرُ" المجامعُ) وأنا أشاهد الخطاب الاستثنائي الذي ألقاه الملك البريطاني "تشارلز" أمام الكونجرس الأمريكي والذي امتلأ بالرسائل البريطانية اللاذعة على نحو أثار شهية المتخصصين في "علم النفس السياسي" هذا الفرع من "علم النفس" الذي يحلل الدوافع الكامنة وراء سلوك الساسة ويتعامل مع كيانات الدول كما يتعامل مع الأفراد.

 

فقد شعرت بريطانيا -صاحبة المملكة التي كانت لا تغيب عنها الشمس- خلال الحرب الإيرانية بحالة من (توحش الأنا) لدى الرئيس الأمريكي، والذي وجه سهام الانتقاد إلى الدول الأوربية، ووصفهم بالتخاذل، وهدد بالانسحاب من حلف شمال الأطلنطي، وعين نفسه وصياً على الأخرين، على نحو ينال من كبرياء وسيادة الامبراطورية البريطانية العجوز، فقرر قصر "باكنجهام" أن يوقف غرور الرئيس الأمريكي ويرد الإهانة على نحو غير تقليدي.


وتشير نتائج التحليل النفسي للسياسة الأمريكية -التي تمتلك كل مقومات القوة الاقتصادية والعسكرية- معاناتها من عقدة نقص غائرة في علاقاتها بالحضارات القديمة، وتعثرها فى عمليات إدراك الذات، مثلها مثل أولئك الأشخاص الأثرياء الذين يملكون كل مقومات الحياة، ولكنهم  يفتقدون من التاريخ العائلي ما يستندون عليه في التعاطي مع مجتمعاتهم التي تحيطهم بمشاعر من عدم الاعتراف وافتقاد الجذور، فيقعون في هوة سحيقة من عقد النقص والدونية، ويستحيل سلوكهم إلى عدوانية لافتة.


يؤكد هذه الحقائق شغف الرئيس "ترامب" الدائم بالتقصي عن التاريخ أمام الكاميرات، حتي أنه في زيارته للصين .. قال للرئيس الصيني وهو يطلعه على بعض المعالم الأثرية الصينية – ربما ليوقف غروره- : "ولكن حضارة مصر أقدم من حضارتكم ..!!" وفي تصريحه الأخير عن الحرب الإيرانية قال "سندمر حضارة إيران" وهو ما لقي استغراباً من كافة الأوساط فقد كان بإمكانه أن يقول "سندمر إيران" دون الزج بتعبير "الحضارة" إذ أن حماية الحضارات هو واجبٌ يفرضه القانون الدولي .. ولو كانت لدول معادية.

 

وقد انطلق "الثعلب البريطاني" من هذه القاعدة، وقرر أن يكون التاريخ الحضاري هو سلاحه في مواجهة أقوى دولة يعرفها العالم، فشد الرحال لإجراء أول زيارة للولايات المتحدة بصفته ملكا في ظروف دولية بالغة التعقيد، وأمام الكونجرس الأمريكي، وقف الملك المخضرم يلقي خطابه تحت شعار "إن كنت ناسي أفكرك" ليقول بالفم "المليان" : (لولانا عليكم لكنتم الأن تتحدثون الفرنسية..) مشيراً إلى انتصار بريطانيا على فرنسا في حرب بسط النفوذ على أمريكا الوليدة، ويضيف ... (إن دولتكم عمرها مئتان وخمسون عاماَ .. وهو ما نعبر عنه في بلادنا بأمس أو من فترة قريبة..) ويواصل الملك حديثه المجلل بالسخرية .. وبتلك الدهشة أو الحسرة .. التي يحملها صوت الفنان "شفيق جلال" وهو يشدو بأغنيته (خسيس قال للأصيل تعالى عندنا خدام)..، ولا يفوّت الملك الفرصة في ذكر جده الملك "جورج الثالث" بإقحامه في السياق مذكراً بفضله في دعم الرئيس جورج واشنطن المؤسس الأول للولايات المتحدة.


وقد قاطع الحاضرون الخطاب بالتصفيق عدة مرات ربما تصديقاً أو دهشةً أو كمداً، فأيقن الملك وصول رسائله، وجاء رد الرئيس "ترامب" ودوداً ... وتحول حديث السياسة إلى ذكريات أسرية طيبة، قرر خلالها الرئيس الأمريكي أن السيدة (أم ترامب) نفسها كانت معجبة بالأمير الشاب (أيام زمان).


إن هذه المواقف ومثيلاتها تثبت أن التاريخ ميراثٌ عظيمٌ لا يزول مهما طال به الأمد، فإن ما ألقاه الملك البريطاني على أهم منبر تشريعي بأقوى دولة على ظهر الأرض، لا يستطيع هذا الملك ولا غيره إلقاء مثيله بالعديد من الدول التي توصف بالفقر أو العالم الثالث، مثل مصر أو اليونان أو العراق أو اليمن أو إيران ... الأمر الذي يثبت أن تاريخ الشعوب ومأثرها ثروة لا تقدر بالمال، فهو الذي يمنح أربابه الثقة الحقيقية في استعادة امجادهم، ويُبقي في دمائهم (جينات) الأصالة والغيرة والتصميم، إنه الامان الذي يصفه التعبير العامي المصري .. بقول (الأصل بيوَنّس) وهو الاصرار والثبات في مواجهة من يظنون أنهم يملكون مقادير العالم.


أن وطناً مثل مصر التي صنعت حضارات العالم ستظل عصية على أن تسلم قيادها أو إرادتها لغير أبنائها وقرارها الوطني, وإنه من السائغ والمستحق أن يقف أي مصري أمام الكونجرس الأمريكي أو مجلس العموم البريطاني أو أي منبر مهما علا ليقول بفمه الملآن "أولئك آبائي فجئني بمثلهمْ // إذا جمعتنا يا ترامبُ المجامعُ".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة