في قلب قرية أم خنان التابعة لمركز الحوامدية بمحافظة الجيزة، يعيش إبراهيم الشعار، الرجل الخمسيني الذي اختار أن يسير في طريق مختلف، لا تحده رسومات هندسية ولا تقيده الخرسانة والحديد، بل تقوده الطبيعة نفسها… وتحديدًا جذوع النخل.
لم تكن الحكاية مشروعًا مخططا له، بل بدأت كهواية بسيطة داخل مشتل صغير، حيث كان إبراهيم يجد نفسه بين "أفلاق" النخيل والجريد، يجرب ويكوّن ويبتكر بيديه، دون دراسة مسبقة أو أدوات معقدة، ومع الوقت، تحولت التجربة إلى معرفة متراكمة، صار خلالها قادرًا على التمييز بين أنواع جذوع النخل، وفهم قوة كل منها، وما يناسبه من استخدامات معمارية مختلفة.

إبراهيم الشعار
يقول إبراهيم خلال حديثه لـ"اليوم السابع"، إن أول برجولة صنعها كانت داخل المشتل الخاص به، ولم يكن يتوقع أن تتحول إلى نقطة تحول في حياته، فإعجاب الناس بها لم يكن مجرد إشادة عابرة، بل كان بوابة انطلاق نحو عالم أوسع، بدأت معه الطلبات تتزايد، وتنتقل الفكرة من مكان إلى آخر.
برجولات جذوع النخل
إبراهيم الشعار يبنى فيلا من جذوع النخل
ومع اتساع التجربة، لم يعد الأمر مقتصرًا على البرجولات أو المساحات المفتوحة، بل امتد إلى بناء بيوت كاملة من جذوع النخل؛ غرف وصالات ومطابخ وحمامات، بل وفيلا من ثلاثة طوابق بسلم داخلي من جذوع النخل نفسها، وبلكونات وتشطيبات خشبية تجعل من يراها لا يصدق أنها مبنية من خامة طبيعية بسيطة.
أعمال إبراهيم الشعار
يعتمد إبراهيم في عمله على خامة يعتبرها كنزًا مهملًا: "جذوع نخل الأمهات"، وهو النخل الذي يتجاوز عمره الثمانين عامًا، ويتميز بقوة جذوعه وصلابته، مشيرًا إلى أنه يُزرع في مناطق جنوب الجيزة مثل أبو النمرس ومنيل شيحة والمنوات وأم خنان والبدرشين والمرازيق، وجذوعه تصمد لعقود طويلة.
أعمال إبراهيم الشعار من جذوع النخيل
ورغم بساطة الفكرة في ظاهرها، إلا أن التنفيذ يحمل دقة كبيرة، فإبراهيم لا يعتمد على رسومات مسبقة، بل يحتفظ بالمخطط في ذهنه، ويبدأ التنفيذ مباشرة في الموقع حسب طبيعة الأرض ورغبة صاحب المشروع، يتم تقطيع جذوع النخل إلى عروق بمقاسات محددة على أيدي متخصصين، ثم تُجمع وتُثبت باستخدام حديد قوي يمنح الهيكل صلابة واستقرارًا.
البناء باستخدام جذوع وجريد النخل
استخدام جذوع النخل في البناء
بيت من جذوع النخل
وبينما يتحدث عن عمله، لا يبدو إبراهيم مجرد حرفي أو منفذ، بل صاحب رؤية مختلفة للعمارة، يرى فيها العودة إلى الجذور، وإحياء علاقة الإنسان بالطبيعة، فبالنسبة له، جذوع النخل ليست مجرد مادة بناء، بل ذاكرة قديمة، وروح مكان، وبديل بسيط يعيد للبيوت دفئها الأول.
إبراهيم الشعار فنان أم خنان
وفي كل مشروع ينفذه، يترك إبراهيم بصمته الخاصة: بساطة، طبيعة، وحنين إلى زمن كانت فيه البيوت تُبنى من الأرض نفسها.
برجولة من جذوع النخل