عصام خليل

القاهرة وأبوظبي.. حين يتحول التحالف العربي إلى معادلة استقرار ومصير

الجمعة، 08 مايو 2026 02:39 م


في السياسة، هناك علاقات تُدار وفق حسابات اللحظة، وأخرى تُبنى على توازنات المصالح، لكن تبقى العلاقات الكبرى وحدها هي التي تنتمي إلى مرتبة أعمق؛ مرتبة تُصبح فيها الجغرافيا قدرًا، ويغدو التاريخ شريكًا في صناعة القرار، ويتحوّل التقارب بين الدول إلى معادلة وجود لا مجرد تفاهم عابر.

ومن هذا المعنى تحديدًا، يمكن قراءة زيارة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة؛ لا باعتبارها محطة بروتوكولية في جدول الدبلوماسية العربية، وإنما بوصفها تعبيرًا صريحًا عن صلابة محور عربي أدرك مبكرًا أن الأوطان لا تُحمى بالشعارات، بل بإرادة الدولة ووضوح الرؤية وصلابة التحالفات.

فالعلاقة بين القاهرة وأبوظبي لم تُبنَ يومًا على المجاملة السياسية، ولم تكن نتاج ظرف إقليمي طارئ فرضته تعقيدات اللحظة، بل تشكّلت عبر سنوات طويلة من الثقة المتبادلة، والرؤية المشتركة، والإدراك العميق بأن استقرار المنطقة العربية لا يمكن أن يتحقق في ظل غياب الدور المصري، ولا يمكن أن يكتمل دون شراكة إماراتية تمتلك من الحكمة والقدرة ما يجعلها عنصرًا فاعلًا في معادلة التوازن الإقليمي.

ولعل ما يميز هذه العلاقة أنها تجاوزت منذ سنوات طويلة حدود التنسيق التقليدي بين دولتين، لتصبح نموذجًا لتحالف عربي يقوم على الفهم المشترك لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة. فحين سقطت دول تحت وطأة الفوضى، وحين تمددت التنظيمات المتطرفة، وحين تحولت بعض العواصم العربية إلى ساحات مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية، كانت القاهرة وأبوظبي من بين العواصم القليلة التي تمسكت بفكرة الدولة الوطنية، ورفضت منطق الميليشيا، وأدركت أن انهيار الجيوش والمؤسسات ليس انتصارًا للحرية كما روّج البعض، بل بوابة واسعة للفوضى والخراب.

ومن هنا، تبدو زيارة الرئيس السيسي إلى الإمارات ذات دلالة تتجاوز بعدها الثنائي، لأنها تأتي في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ، وتتشكل فيها تحالفات جديدة، فيما تتسارع التحديات الأمنية والاقتصادية بوتيرة غير مسبوقة.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون مطلوبًا من الدول الكبرى في محيطها أن تكتفي بالمراقبة، بل أن تتحرك لصناعة التوازن ومنع الانهيار، وهو الدور الذي تقوم به مصر بثقلها التاريخي والاستراتيجي، مدعومة بشراكة إماراتية تدرك أن حماية الإقليم تبدأ بحماية الدولة الوطنية وصيانة مؤسساتها.

لقد نجحت مصر خلال السنوات الأخيرة في استعادة حضورها العربي بثقة الدولة التي تعرف وزنها الحقيقي، لا عبر الضجيج الإعلامي أو الخطابات الانفعالية، بل عبر سياسة تتسم بالاتزان والقدرة على الفعل.

واستطاع السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يُعيد تعريف مفهوم الأمن القومي المصري باعتباره امتدادًا مباشرًا للأمن القومي العربي، وهو ما انعكس بوضوح في مواقف القاهرة تجاه مختلف أزمات المنطقة، من ليبيا إلى السودان، ومن أمن الخليج إلى استقرار المشرق العربي.

وفي المقابل، أثبتت الإمارات بقيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أنها ليست مجرد دولة تمتلك أدوات التأثير الاقتصادي، بل دولة تمتلك رؤية سياسية واعية بطبيعة التحولات الدولية، وقادرة على بناء شراكات استراتيجية مستقرة تقوم على الاحترام المتبادل وتلاقي المصالح والرؤى.

ولهذا، فإن ما يجمع بين القاهرة وأبوظبي لم يعد مجرد تنسيق سياسي، بل أصبح حالة من التوافق الاستراتيجي النادر في عالم عربي أنهكته الانقسامات وأثقلته الحسابات الضيقة.

غير أن قوة هذه العلاقة لا تكمن فقط في مستوى التفاهم بين القيادتين، وإنما في عمقها الشعبي والإنساني أيضًا.

فأن المصريون في الإمارات لم يكونوا يومًا غرباء، بل شركاء في مسيرة التنمية والنهضة، والإماراتيون في مصر يجدون دائمًا مساحة من المحبة والانتماء تجعلهم أقرب إلى أهل الدار منهم إلى الزائرين. وهذه الروابط الإنسانية تحديدًا هي التي تمنح العلاقات بين البلدين حصانة استثنائية ضد تقلبات السياسة ومفاجآت الإقليم.

وفي تقديري، فإن الرسالة الأبرز لهذه الزيارة تتمثل في أن العالم العربي، رغم كل ما مرّ به من أزمات، لا يزال قادرًا على إنتاج نماذج ناجحة للتحالف والتكامل، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة.

العلاقات التي تقوم على الاحترام المتبادل، وعلى إدراك حقيقي لمعنى المصير المشترك، هي وحدها القادرة على الصمود أمام العواصف.

إن القاهرة وأبوظبي لا تدافعان فقط عن مصالح دولتين، بل تذودان — في جوهر الأمر — عن فكرة الدولة العربية ذاتها؛ تلك الفكرة التي حاولت الفوضى أن تنال منها، وحاولت التنظيمات العابرة للحدود أن تهدمها، وحاولت قوى إقليمية أن تعيد تشكيلها بما يخدم مشاريعها الخاصة. لكن التجربة أثبتت أن الأوطان التي تمتلك مؤسسات قوية، وقيادات تدرك طبيعة التحديات، وتحالفات تقوم على الثقة لا الابتزاز، تبقى أكثر قدرة على البقاء والصمود.

وهكذا، تبقى العلاقة بين مصر والإمارات واحدة من أهم ركائز الاتزان العربي في زمن يموج بالتحولات.

علاقة لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو الاتفاقات، وإنما تُقاس أولًا بقدرتها على حماية فكرة الاستقرار نفسها، وصيانة ما تبقى من تماسك النظام العربي.

بعض العلاقات تُولد من المصالح ثم تنتهي بانتهائها، أما العلاقات التي تُصنع من وعي التاريخ وإدراك الجغرافيا وإيمان المصير الواحد، فإنها تبقى أبعد من حسابات السياسة.. وأعمق من تبدلات الزمن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة