في مشهد لا يختلف كثيراً عن قصص المستريح التي تطل برأسها بين الحين والآخر ، تعيش بولندا هذا المشهد ولكن بصبغة دولية وتكنولوجيا معقدة، واحدة من أكبر فضائح العملات المشفرة في تاريخ أوروبا، والقصة التي بدأت كأزمة مالية في منصة تداول شهيرة، تحولت إلى كرة لهب سياسية تحرق الجميع، واضعة رئيس الوزراء الليبرالي دونالد توسك في مواجهة كسر عظم مع خصمه اللدود الرئيس القومي كارول ناوركي.
القصة من البداية.. زونداكريبتو وسر الـ 82 مليون يورو
وتفجرت الأزمة حين بدأت النيابة العامة البولندية تحقيقات موسعة حول منصة التداول الشهيرة زونداكريبتو، متهمة إياها بتضليل العملاء والتسبب في خسائر قدرت بـ 350 مليون زلوتي (نحو 82.5 مليون يورو)، وبينما يبحث المودعون عن أموالهم التي تبخرت، كان برزيميسواف كرال، الرجل القوي ورئيس المنصة، قد غادر البلاد بالفعل ليستقر في إسرائيل، مؤكداً براءته ومتهماً الحكومة بتسييس القضية.
وتعد زونداكريبتو واحدة من عمالقة التداول في أوروبا الوسطى، حيث أتاحت للمستثمرين التعامل في أكثر من 150 عملة رقمية، لكن الادعاء العام في مدينة كاتوفيتشي كشف وجهاً مظلماً، مؤكداً أن العملاء تعرضوا لعملية نصب ممنهجة تحت ستار التكنولوجيا الحديثة، مما دفع المئات للجوء للمحامين بعد توقف عمليات سحب الأموال.
رائحة المافيا الروسية وأجهزة المخابرات
لم يقف الأمر عند حدود الخسائر المالية، فقد فجر رئيس الوزراء دونالد توسك قنبلة مدوية داخل أروقة البرلمان في جلسة مغلقة، حين اتهم المنصة بأنها بنيت بأموال قذرة قادمة من روسيا، ولم يكتف توسك بذلك، بل أكد علناً أن نجاح الشركة مشكوك في نزاهته، زاعماً ارتباطها بمافيا براتفا الروسية إحدى أخطر العصابات في العالم وبدعم مباشر من أجهزة المخابرات الروسية.
و استغل توسك هذه الفضيحة ليضرب عصفورين بحجر واحد: الأول هو الدفع بتشريعات صارمة ينص عليها الاتحاد الأوروبي لتنظيم سوق العملات المشفرة (MiCA)، والثاني هو محاصرة خصومه من اليمين القومي الذين ارتبطت أسماؤهم بالمنصة.
الفخ السياسي.. هل مولت المنصة حملات اليمين؟
وكشفت التحقيقات أن زونداكريبتو لم تكن مجرد منصة تداول، بل كانت خزانة أموال تمول أنشطة اليمين البولندي، حيث تبين أن المنصة رعت مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC) العام الماضي، وهو تجمع عالمي للمحافظين شهد تأييداً دولياً للرئيس ناوركي. كما أقر معهد بولندا السيادية المرتبط بوزير العدل السابق بتلقيه مئات الآلاف من الزلوتي كتبرعات من رئيس المنصة الهارب.
من جانبه، يقف الرئيس كارول ناوركي في خندق الدفاع، متهماً حكومة توسك بمحاولة طرد سوق العملات المشفرة من بولندا بأسلوب فظ، بدلاً من حماية مصالح المواطنين. ناوركي يرى أن الحكومة تتجاوز صلاحياتها لشل السوق، واصفاً النموذج التنظيمي الذي تقترحه الحكومة بـ المعيب.
هروب وحصار.. وماذا بعد؟
بينما يتصدر ياروسلاف كاتشينسكي، زعيم حزب القانون والعدالة المعارض، المشهد بدعوات غريبة للمطالبة بـ حظر كامل للعملات المشفرة للتنصل من الفضيحة، يجد المستثمرون أنفسهم في مهب الريح، المحامي روبرت نوغاكي، الذي يمثل الضحايا، أكد أن الخسائر تتزايد يومياً، وأن بعض الأفراد فقدوا مبالغ تصل إلى سبعة أرقام.
ويشير موقع بولتيكو إلى أن الفضيحة الآن ليست مجرد قضية مستريح عملات رقمية هرب إلى الخارج، بل هي معركة وجودية تسبق الانتخابات البرلمانية المقبلة في نوفمبر 2025، فهل ينجح توسك في استخدام السلاح الروسي للإطاحة بخصومه؟ أم ينجح اليمين في تصوير الأمر على أنه تصفية حسابات سياسية على جثث المودعين؟ لكن الموقع يؤكد أن زونداكريبتو التي كانت يوماً فخراً للابتكار البولندي وراعياً للجنة الأولمبية، تحولت اليوم إلى صندوق باندورا الذي يهدد بكشف أسرار المخابرات، والتمويلات المشبوهة، وصراعات السلطة التي لا تعرف الرحمة.