تتجه الأنظار إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر في إعادة رسم خريطة صناعة التأمين ، قبل أسابيع قليلة من استضافة القاهرة للمؤتمر الـ52 للمنظمة الإفريقية للتأمين بالقاهرة يونيو 2026 ، ليس فقط باعتبارها دولة مستضيفة لواحد من أكبر التجمعات التأمينية الإفريقية، ولكن باعتبارها مرشحًا قويًا للتحول إلى مركز إقليمي لتصدير الخدمات التأمينية وإعادة التأمين إلى الأسواق الإفريقية.
ويأتي انعقاد المؤتمر بالقاهرة خلال الفترة من 5 إلى 9 يونيو 2026، بمشاركة متوقعة تتجاوز 1200 من قيادات التأمين وإعادة التأمين والجهات الرقابية من 57 دولة، في وقت يشهد فيه قطاع التأمين الإفريقي طفرة متسارعة مدفوعة بالنمو السكاني والتوسع الاقتصادي ومشروعات البنية التحتية العملاقة، إلى جانب ارتفاع المخاطر المناخية والاحتياج المتزايد للحماية التأمينية.
حجم سوق التأمين الأفريقي
وتشير تقديرات مؤسسات دولية إلى أن حجم سوق التأمين الإفريقي لا يزال يمثل أقل من 3% من إجمالي أقساط التأمين العالمية، رغم أن القارة تضم ما يقرب من 18% من سكان العالم، وهو ما يعكس فجوة ضخمة وفرص نمو هائلة أمام الشركات القادرة على التوسع داخل الأسواق الإفريقية.
وفي هذا السياق، تبدو مصر في موقع يسمح لها باقتناص جزء معتبر من هذه الفرص، خاصة بعد التطورات التشريعية والتنظيمية الأخيرة، وعلى رأسها صدور قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024، الذي فتح الباب أمام منتجات جديدة، والتوسع في التكنولوجيا المالية التأمينية، وتعزيز الشمول التأميني.
ويرى خبراء القطاع أن استضافة القاهرة لمؤتمر المنظمة الإفريقية للتأمين لا تمثل مجرد حدث تنظيمي، بل تعد بمثابة “نافذة استراتيجية” لتعزيز النفوذ المصري داخل القارة، خصوصًا مع تولي مصر رئاسة المنظمة خلال الفترة 2026-2027، وهو ما يمنح السوق المصرية مساحة أكبر للتأثير في ملفات التكامل التأميني الإفريقي.
التجارة الحرة بوابة التوسع
ومن أبرز الملفات التي تراهن عليها مصر، الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة القارية الافريقية، التي من المتوقع أن ترفع حجم التجارة البينية بالقارة بأكثر من 50% خلال السنوات المقبلة، وهو ما يخلق طلبًا متزايدًا على تأمينات النقل البحري، والائتمان التجاري، وضمان مخاطر الاستثمار والتصدير.
ويعزز ذلك فرص شركات التأمين المصرية للتوسع خارج الحدود، خاصة مع امتلاك السوق المحلية خبرات متراكمة في مجالات التأمين الهندسي والطبي وتأمينات المشروعات الكبرى، إلى جانب تنامي قدرات شركات إعادة التأمين العاملة في مصر.
التأمين الزراعي.. فرصة إفريقية واعدة
كما تبرز التأمينات الزراعية والبارامترية كواحدة من أهم الفرص أمام السوق المصرية، في ظل تعرض عدد كبير من الدول الإفريقية لموجات جفاف وفيضانات وخسائر مناخية متكررة.
وتسعى العديد من الحكومات الإفريقية حاليًا إلى تطوير برامج للحماية الزراعية، وهو ما يفتح المجال أمام الشركات المصرية لنقل خبراتها الفنية، خاصة مع تنامي الاهتمام العالمي بتمويل مشروعات التكيف المناخي بالقارة.
وتشير بيانات دولية إلى أن الخسائر الناتجة عن الكوارث الطبيعية في إفريقيا تجاوزت 8 مليارات دولار سنويًا خلال السنوات الأخيرة، بينما لا تزال نسبة التغطية التأمينية محدودة للغاية مقارنة بالأسواق العالمية، وهو ما يرفع الطلب المتوقع على منتجات الحماية الزراعية والتأمين ضد الكوارث.
التكنولوجيا المالية تغير قواعد اللعبة
وفي ظل التحول الرقمي، تمتلك مصر ميزة إضافية تتمثل في تطور البنية التكنولوجية والرقابية، وهو ما قد يسمح لها بأن تصبح مركزًا إقليميًا لتكنولوجيا التأمين “InsurTech” داخل إفريقيا.
وتعتمد العديد من الأسواق الإفريقية على الهاتف المحمول والخدمات الرقمية في تقديم الخدمات المالية، ما يجعل منتجات التأمين متناهي الصغر والتأمين الرقمي من أسرع الأنشطة نموًا بالقارة.
ويؤكد مسؤولون بالقطاع أن استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في التسعير وإدارة المطالبات سيساعد الشركات المصرية على التوسع بكفاءة أكبر داخل الأسواق الإفريقية منخفضة الكثافة التأمينية.
القاهرة مركزًا للتدريب وإعادة التأمين
ولا تتوقف الفرص عند بيع الوثائق التأمينية فقط، بل تمتد إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمي للتدريب والتأهيل الفني والاكتواري، خاصة مع وجود كوادر متخصصة واتحادات مهنية وخبرات تراكمية في السوق المصرية.
كما أن تنامي مشروعات البنية التحتية والطاقة في إفريقيا يعزز الطلب على خدمات إعادة التأمين، وهي سوق تسعى مصر لزيادة حصتها فيها خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها الاقتصادية بالقارة.
إسلام عزام: قانون التأمين الموحد يقود نمو القطاع.. ومصر في قلب التأمين الإفريقي لتعزيز الشمول والاستدامة والتكامل
أكد الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، أن استضافة مصر لفعاليات الجمعية العامة الـ52 لـمنظمة التأمين الأفريقية تمثل تأكيدًا دوليًا على المكانة المتقدمة التي بات يحتلها سوق التأمين المصري، وعلى ثقة المؤسسات الإفريقية في قدرة مصر على قيادة جهود تطوير القطاع على مستوى القارة، في ضوء ما يشهده من تحديثات تشريعية ورقابية غير مسبوقة، وفي مقدمتها قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024، الذي يُعد حجر أساس لإطلاق مرحلة جديدة من النمو القائم على الابتكار والشمول.
وأضاف أن الهيئة، تمضي بخطى متسارعة لتعزيز الشمول التأميني باعتباره أحد ركائز الحماية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، وذلك عبر التوسع في استخدام التكنولوجيا المالية، وتبني نماذج أعمال مرنة، وإتاحة منتجات تأمينية أكثر كفاءة وشمولًا تستجيب لاحتياجات المواطنين ومؤسسات الأعمال على حد سواء، بما يعزز من دور القطاع في دعم الاقتصاد الوطني وزيادة معدلات الادخار والاستثمار.
وأكد دكتور إسلام أن تعزيز التكامل بين أسواق التأمين وإعادة التأمين الإفريقية لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها التحديات العالمية المتسارعة، مشددًا على أن مصر تدفع بقوة نحو بناء سوق تأميني إفريقي أكثر ترابطًا وقدرة على تبادل الخبرات التأمينية المتعددة داخله، بما يعزز من دور القارة الأفريقية المحوري في التأمين وإعادة التأمين.
وأوضح أن انعقاد الجمعية العامة بشكل دوري في عواصم القارة الإفريقية يعكس إرادة جماعية لتوحيد الرؤى وتبادل الخبرات، بما يسهم في بناء أطر رقابية متقاربة، وتعزيز تنافسية الأسواق الإفريقية على المستوى الدولي، وترسيخ دور التأمين كأداة رئيسية لدعم خطط التنمية المستدامة.
وشدد رئيس الهيئة على أن فعاليات الجمعية العامة الـ52 منظمة التأمين الأفريقية تمثل منصة محورية لدفع هذا التكامل، من خلال تبادل الخبرات وبناء القدرات المؤسسية وتطوير الأطر التنظيمية، بما يعزز من جاهزية الأسواق الإفريقية لمواجهة التغيرات الاقتصادية والتحديات المناخية.
وفي هذا السياق، أشار إسلام إلى أن التأمين المستدام يمثل أولوية متقدمة على أجندة العمل المشترك، حيث تعمل الهيئة على دمج اعتبارات الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) في صميم النشاط التأميني، بما يمكن القطاع من إدارة المخاطر طويلة الأجل، خاصة المرتبطة بتغير المناخ، ويوجه الاستثمارات نحو الأنشطة الداعمة للاقتصاد الأخضر، بما يعزز من مرونة الاقتصاد المصري والإفريقي على حد سواء.
وكشف إسلام أنه من المقرر إطلاق مبادرة إفريقية طموحة خلال أعمال الجمعية العامة، تستهدف إرساء إطار عملي لتعميق التعاون بين الدول الإفريقية في مجالي التأمين وإعادة التأمين، بما يدعم تكامل الأسواق، ويعزز من قدرات الشركات الوطنية، ويفتح آفاقًا أوسع للشراكات الإقليمية، وصولًا إلى بناء منظومة تأمينية إفريقية قوية وقادرة على لعب دور مؤثر في دعم مسارات التنمية ومواجهة التحديات المستقبلية.
علاء الزهيري: مصر تعزز مكانتها كمركز إقليمي لصناعة التأمين وتدعم الشراكات الأفريقية عبر استضافة المؤتمر
وأكد علاء الزهيري، رئيس اتحاد شركات التأمين المصرية ورئيس اللجنة المنظمة المحلية للمؤتمر، أن الدعم المستمر من الهيئة العامة للرقابة المالية أسهم في ترسيخ بيئة تنظيمية متوازنة لقطاع التأمين في مصر، تجمع بين حماية حقوق المتعاملين وتحفيز الابتكار والنمو، وهو ما عزز ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين في السوق المصري ورسّخ مكانته كأحد الأسواق الواعدة في القارة الأفريقية.
وأوضح أن استضافة القاهرة للدورة الثانية والخمسين لمؤتمر المنظمة الأفريقية للتأمين تعكس الثقة الدولية المتزايدة في سوق التأمين المصري، وتمثل فرصة استراتيجية لتعزيز التعاون بين أسواق التأمين وإعادة التأمين في أفريقيا، ودعم جهود الشمول التأميني، وتطوير الصناعة بما يسهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام على مستوى القارة.
وأشار إلى أن قطاع التأمين المصري يشهد نموًا ملحوظًا في حجم الأقساط وتنوع المنتجات، إلى جانب التطور المستمر في الأطر التنظيمية والرقابية، بما يعزز قدرته على مواكبة المتغيرات الإقليمية والدولية. كما أن انعقاد المؤتمر في القاهرة يأتي امتدادًا لدور مصر في دعم التعاون بين الأسواق الأفريقية، مستفيدًا من ما يتمتع به السوق المصري من قاعدة سكانية شابة وبنية اقتصادية متنامية تدعم فرص توسع صناعة التأمين.
وأضاف أن شعار المؤتمر "التأمين كمُمكّن للنمو الاقتصادي للجميع" يعكس الدور المتنامي لصناعة التأمين كأداة استراتيجية لدعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز الشمول المالي، وتمكين الاقتصادات الأفريقية من مواجهة التحديات وتحقيق نمو شامل ومستدام، مؤكدًا حرص اتحاد شركات التأمين المصرية على تقديم تجربة تنظيمية ومهنية تعكس مكانة مصر الإقليمية وقدرتها على استضافة الفعاليات القارية الكبرى بكفاءة واحترافية.
يارِد مولا: التأمين ركيزة أساسية لدعم التجارة البينية وتعزيز التكامل الاقتصادي في أفريقيا
وأكد يارِد مولا، رئيس منظمة التأمين الأفريقية، أن التأمين يُعد عنصرًا أساسيًا في إدارة أخطار التجارة العابرة للحدود في ظل جهود التكامل الإقليمي في أفريقيا، موضحًا أنه يمثل جسرًا حيويًا يربط رأس المال العالمي بمشروعات البنية التحتية المحلية، بما يعزز من مرونة الاقتصادات والأمن الاقتصادي.
وأشار إلى أن هذا الدور يسهم في تمكين الدول الأفريقية من التحدث بصوت أكثر توحّدًا واعتمادًا على الذات على الساحة الدولية.
وأضاف أن المؤتمر الثاني والخمسين للمنظمة يتيح للعاملين في صناعة التأمين بالقارة فرصة إجراء مراجعات نقدية مهمة تسهم في تسريع تحقيق أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
وأكد أن التأمين لا يقتصر فقط على كونه عاملًا داعمًا للنمو الاقتصادي من خلال الحد من الأخطار وتعزيز الاستقرار المالي للأسر وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، بل يتيح أيضًا للأفراد الانخراط في الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية دون الخوف من خسائر جسيمة.
جان بابتيست نتوكامازينا: جلسات متخصصة وزخم دولي مرتقب يعززان نجاح الدورة الـ52 بالقاهرة
أعرب جان بابتيست نتوكامازينا، الأمين العام للمنظمة الأفريقية للتأمين، عن تطلعه إلى أن يشهد المؤتمر هذا العام زخمًا كبيرًا وحضورًا مميزًا، مؤكدًا ما يتمتع به السوق المصري من خبرة تنظيمية متميزة في استضافة فعاليات المنظمة.
وأوضح أن المؤتمر من المنتظر أن يتضمن جلسات حوارية رفيعة المستوى وندوات متخصصة تناقش عددًا من الموضوعات الحيوية، من بينها التأمين المستدام، والتأمين الزراعي، والتكنولوجيا المالية، ومجمعات المخاطر الأفريقية، والتأمين متناهي الصغر، إلى جانب اجتماعات الجمعية العامة للمنظمة.
ومن الجدير بالذكر أنه يجري حاليًا استكمال الترتيبات التنظيمية للمؤتمر بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية، بما يضمن خروج الحدث بالصورة التي تليق بمكانة مصر ودورها الريادي في دعم وتطوير صناعة التأمين في القارة الأفريقية.
ويمنح انعقاد المؤتمر في القاهرة المشاركين فرصة فريدة للجمع بين الحوار المهني الرفيع واستكشاف ما تزخر به مصر من مقومات سياحية وثقافية متميزة، في بلد يجمع بين عراقة التاريخ وحيوية الحاضر.