خالد دومة يكتب: معاوية محمد نور.. النجم المحترق

الخميس، 07 مايو 2026 10:20 م
خالد دومة يكتب: معاوية محمد نور.. النجم المحترق خالد دومة

هل يأبى الجنون إلا أن يكون له نصيبٌ من العبقرية؟
لقد أصاب كثيرًا من ذوي الذكاء والنبوغ؛ فانهار فريدريك نيتشه بعدما رأى دموعًا على وجه حصانٍ كان صاحبه ينهال عليه ضربًا. احتضن الحصان، وتساقطت دموعه وهو يهمس له: «إنني أفهمك». ومنذ تلك اللحظة اختلّ توازن ذلك العقل الجبّار، فعاش السنوات العشر الأخيرة من عمره بلا وعيٍ ولا ذاكرة.
إن فرط الحساسية داءٌ قاتل يصيب أصحاب الشعور الدقيق المرهف؛ فلا تحتمل أعصابهم مآسي الحياة وقسوتها، فتنهار عقولهم أمام سطوة الواقع وجبروته, وكان صعود معاوية محمد نور في عالم الأدب صعودًا مهيبًا؛ فقد امتلك منذ حداثته, قوة الرأي، وفصاحة الكلمة، وسعة الاطلاع، وعمق الفهم والإدراك. امتطى جواد النقد والتحليل، وانطلق به إلى آفاقٍ بعيدة، حتى غدا في عالم الأدب نورًا متوهجًا يضيء العتمة، ويرشد العقول والأقلام إلى الأدب الحقيقي, أدب المعنى, الذي يغوص في أعماق النفس البشرية.
لقد كان يرى الإنسان عالمًا خفيًّا مليئًا بالكنوز والأسرار، وأن ما تحت أهاب الجسد أوسع بكثير مما نتصور. فالإنسان — في نظره — ليس عالمًا واحدًا، بل عوالم متعددة وثريّة. ومن العجيب أن يدقّق الإنسان نظره فيما هو خارج نفسه، يدرس ويحلل ويفسّر، بينما يظل جاهلًا بما يدور في داخله, كانت له نظرة إنسانية عميقة، بل ثورة فكرية في وجه الانشغال بالمظاهر الخادعة والتغاضي عن الجوهر. كان يرى أن قيمة الإنسان لا تُقاس بزينة الجسد ولا بالمظاهر اللامعة التي تشد أنظار السطحيين، بل بما يحمله من معنى وشعور ووعي.
ذلك الفتى الأسمر، ذو الملامح الطفولية والذكاء الحاد والفطنة المتقدة، جاء يقرع الآذان بطبول النقد البنّاء ونظريات الحداثة في الفكر والأدب، محاولًا أن يرسم للأدب العربي نهجًا جديدًا أكثر عمقًا وإنسانية, اثنان وثلاثون عامًا فقط كانت عمر هذا الأديب السوداني, الذي ولد بأم درمان 1909ورحل عن عالمنا 1941، لكنها كانت أعوامًا حافلة بالأثر. ففي السن التي يكون فيها كثير من الشباب ما يزالون في بداية الطريق، كان معاوية محمد نور قد شقّ طريقه إلى عالم الأدب بعقله وموهبته، وسابق الزمن ليصبح اسمًا معروفًا قبل أن يبلغ العشرين من عمره، ناشرًا مقالاته النقدية المستنيرة، ناقدا ومترجما وقاص, ومجالسًا كبار الأدباء والمفكرين في عصره، وقد استطاع، رغم حداثة سنّه، أن يفرض نفسه بين أعلام الأدب بما امتلكه من عقل نافذ، وقريحة متقدة، ونظرة متأنية عميقة.
كتابان فقط هما ما تبقى من آثاره، غير أن قيمة الكاتب لا تُقاس بعدد مؤلفاته، فكثير من الكتب لا تحمل إلا تكرارًا لأفكار سابقة أو رؤى محدودة. أما كتابات معاوية محمد نور، فعلى قلّتها، تكشف عن عقلٍ استثنائي ورؤية سبّاقة وعمقٍ تحليلي فريد,
ويأخذك الخيال متسائلًا: ماذا لو امتد به العمر، وسلم مما أصابه في أواخر أيامه؟
لا شك أنه كان سيقف بين كبار الفكر والأدب جنبا إلى جنب، أمثال عباس محمود العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ ويوسف إدريس، وربما سبق بعضهم في عمق الرؤية وحدّة النقد, لقد كان رحمه الله نجمًا أضاء سماء الأدب سريعًا، فتوجهت إليه الأنظار والعقول تلتهم ما تلقي به قريحته بالقناعة والدرس والتحليل، ثم ما لبث أن هوى محترقًا ومنطفئًا، بعدما اختطفه يد الموت وهو لا يزال في شرخ الشباب وبداية الطريق.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة