تُعرَف فترة السَّحَر، أو ما قبل الفجر؛ بأنها أشد فترات الليل سوادا. كما أن المنحنى لا ينكسر عائدًا؛ إلا عند أعلى نقطة.. والغليان فى هُرمز؛ إنما يُبشّر بالبرود.
ستنطفئ نار الحرب؛ أراد طرفاها أم لم يُريدا، والخشية أن يلتئم العظم المكسور على اعوجاج، أو يُغلَق الجرح بصديده، أى لم يعد القلق من تجدُّد القتال؛ إنما من الجمود بلا اتفاق.
غير أن المؤشّرات لا تخلو من إيجابية، تحمل فيها الإشارات معانى مُغايرة لِمَا يترشّح عنها ظاهرا، وأهمها التصعيد المُتبادَل، خطابا وسلوكًا؛ ثم النكوص السريع، والعودة لخطّ الصفر؛ كما لو أنها دراما مصنوعة ومُتَّفَق عليها تماما!
وعلى ذِكر التصعيد؛ يستعيد الذهن حكاية ذائعة عن لقاءٍ جمع وزير الخارجية الأمريكى الأشهر كسينجر، بمستشار السادات للأمن القومى، وكان مُقدّمة لتحريك ملف سيناء وصولاً إلى التحرير.
والقصة؛ أن حافظ إسماعيل طار إلى واشنطن بحثا عن الدبلوماسية، فاصطحبه المضيف لأحد المطاعم، وقدّم نصيحته عبر قطعة اللحم: «لا أحد يأكل الطبق باردًا»؛ فكان قرار الحرب!
ورغم أن الطريق بين الولايات المتحدة وإيران مرصوفة بالبارود وفوارغ المقذوفات؛ فالحرارة امُتصّت بالأسابيع الأخيرة، والوضع آخذ فى التشكُّل وفق مُعادلة رمادية، لا حسم فيها ولا وفاق.
مرّ على الهُدنة شهر، واضطُرّ البيت الأبيض لإخطار الكونجرس بانتهاء المعركة، وفاء بالمُهلة المنصوص عليها فى قانون «صلاحيات الحرب».
وما لم يحدث ما يُخلخل السكون؛ فقد يبقى الطرفان على ضفّتين مُتقابلتين، تتقطّع السبل بينهما، ولا يُبادر أحدهما، أو يقتنع بما يحكيه الوسطاء عن مُبادرة الآخر.
وعليه؛ فالخطوة التى أسماها ترامب «مشروع الحرية»، لم تكن حصرًا لتسليك هُرمز، وضمان عودة الملاحة لطبيعتها، كما صرّح بنفسه وأفاض مُعاونوه؛ إنما كانت مُقدّمة لما بعدها، أى وسيلة لا غاية.
لم تُحشَد البوارج لأجل مَمرٍّ كان مفتوحًا أصلاً؛ بل لأسباب ما تزال عالقة دون حسم، ويصعب التوصل لاتفاقات بشأنها حتى الآن.
وفيما كانت المُقاتلات ورقة الغُزاة، الإسرائيليين والأمريكيين، قبض الإيرانيون على ورقتهم فى البر والبحر.
الخليج كهدف مُباشر للصواريخ والمُسيّرات، ثم المضيق باعتباره عُقدةً جيوسياسية تؤثر على الاقتصاد، وتُعدِّل الاختلالات وعدم التكافؤ بميزان القوّة الخالصة.
تحوّل الميدان عن وظيفته الخشنة، إلى منصّة للاستعراض أو صندوق بريد. والمرحلة كلها آلت لمُكاتبات ورسائل مُباشرة ومن وراء ستار.
حتى أن الجُملة الواحدة يُعاد تأكيدها لفظًا ومعنى، وتتكرر الشواهد كما لو أن أصحابها يتعمّدون إخراج المشهد باستعصاء؛ كسيخ حامٍ ينسحب من كومة صوف!
فى أول التهدئة، رحب ترامب بورقة إيرانية من عشرة بنود، وعَدّها أساسًا صالحا للتفاوض، ثم انقلب عليها بمطلبه الاستسلامى، وكرّر الرفض لمُقترح مُعدّل أرسلته طهران من صفحةٍ بأربعة عشر بندا.
وأمس، نقل موقع أكسيوس، وثيق الصلة بالإدارة والأجهزة الأمريكية، أن البيت الأبيض يُوشك أن يتوصّل لاتفاق على الأساس نفسه.
وأهم ما فيه: وقف الحرب، إنهاء الحصار، رفع العقوبات؛ ثم الذهاب لمفاوضات تفصيلية بشأن العناوين الكُبرى.
طهران سرّبت ما يُشير إلى استحداث آلية لعبور هُرمز، فى إشارة ضمنية للهيمنة وفرض الرسوم، وقال رئيس برلمانها وكبير مفاوضيها، باقر قاليباف، إن الصيغة الجديدة تتشكّل الآن.
تخرج الإشارة من الجمهورية الإسلامية، مُرفقةً بما يتضادّ معها: روائح التنازلات مخلوطة بسردية النصر، ترحيب بوقف التخصيب مع التمسّك بالحق النووى، حرية الملاحة مقابل إثبات الولاية واستيداء الرسوم.
وأخيرًا، التصدّى للشيطان الأكبر ثم إسقاط شرط إجلائه عن المنطقة، والمُطالبة بتعويضات تؤول إلى الاكتفاء بتحرير الأموال المُجمّدة فحسب!
لا جديد فيما أعلنه روبيو عن انتهاء «الغضب الملحمى»؛ إلا التوكيد ومنح ترضية ضمنية للملالى وجنرالاتهم، تتوافق مع دعايات الصمود وعدم الرضوخ للضغط والابتزاز.
قال وزير الخارجية إن الأهداف تحقّقت، وأردف: «خطوة أولى نحو إعادة فتح المضيق»، ما يعنى الالتجاء للسياسة بدلاً عن السلاح.
طىّ «مشروع الحرية» بعد يومٍ من إطلاقه؛ ينطوى على إخفاقٍ ظاهر. كانت الكُلفة عاليةً والأثر زهيدًا، وثبت عمليًّا أنه يستحيل إنهاء الحصار قهرًا، أو من فوق رأس الحرس الثورى وأدواته اللاتماثلية.
تخسر إيران قرابة نصف المليار دولار يوميًّا، جرّاء احتباس النفط. طاقة التخزين توشك على الاكتمال، وقدرات الإنتاج قد تتقلّص لِمَا بين 30 و40%، مع استدامة الأضرار حتى بعد تصفية الصراع.
الوضع ضاغط، والوقت سيف على الرقاب، ومهارة تجار البازار لم تُسعفهم فى تحصيل صفقة مُشبعة، وصبرُ نسّاجى السجّاد ليس بلا نهاية؛ لأن الخيوط توشك على النفاد.
طهران مُضطرّة للتنازل قطعًا؛ إنما مع حدٍّ معقول من الترضيات، ومن دون لَصق ظهرها بالجدار، أو الإمعان فى التنكيل بها، والتمثيل بجُثّتها أو رشق الخناجر الصدئة فى كرامتها المجروحة.
سعت واشنطن إلى كسر مُعادلة تحويل المضيق ورقة تفاوض، والنتيجة لم تكن مثالية.
وفى المقابل؛ لم يكتف الإيرانيون بإفساد المحاولة، فطوّروها باستهداف مرافق النفط فى الإمارات، ومعها عُمان على استحياء؛ لذرّ الرماد فى العيون فحسب!
وهكذا؛ تأكَّد أنه لا يُمكن المرور دون تفاهُم، فضلاً على إخطار العالم بكُلفة القفز على خطوطهم الحُمر، وتثبيت موقعهم التفاوضى الوازن.
وقد يكون ذلك من فوق رأس ترامب ورغمًا عنه؛ أو بإخراجٍ محسوب لخَلق الصيغة المُبرِّرة لإبرام صفقة أقل من المُصرّح به سلفًا.
أى أنه لوّح لهم عبر «مشروع الحرية» بما يُمكن أن يجرى لاحقا، وقد يتّسع ضمن إطار دولى أو بتفويض من مجلس الأمن. ومنحهم ما يُرمّمون به معنوياتهم، مع تمرير التسوية الاختيارية فى رداء الاضطرار أمام نتنياهو الواقف على أطراف أصابعه.
الحسبة خاسرة هنا، رابحة هناك. اهتزّت مكانة واشنطن؛ لكنها ثبّتت تحالفاتها وأكدت أهميتها للحلفاء، مع استعدادها لتحميل فواتيرها على الآخرين.
صمدت طهران؛ إنما بكُلفة باهظة من المال والدم، واعتلالاتٍ سترافقها عقودًا، وفقّاعة مُعلّقة على رأس الداخل، وقد تنفجر فى أية لحظة.
عادت الحرب أو لم تَعُد؛ فالتغيير الكبير مسألة وقت لا أكثر.