شريف عارف

تشارلز وترامب.. ضربات ورسائل

الخميس، 07 مايو 2026 02:46 م


قبل أيام قليلة، تابع العالم مبارزة في الكلام بين قطبي حكم العالم قديماً متمثلاً في بريطاينا وحديثاً متمثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

دارت المبارزة الكلامية على أرض العاصمة الأمريكية واشنطن، بين الملك تشارلز الثالث عاهل الدولة صاحبة لقب "الإمبراطوية التي لاتغيب عنها الشمس"، ودونالد ترامب رئيس الدولة التي تحاول السيطرة على العالم بمبدأ القوة. المبارزة كانت قوية حقيقة، واستخدمت فيها مصطلحات حادة بعض الشيء، بين الضربات المباشرة والرسائل الضمنية.

 

على مدى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ظهرت بريطانيا ككقوة لا يمكن زحزحتها عن عرش العالم. في هذا التوقيت، كانت الإمبراطورية البريطانية تمتد عبر القارات حتى شاع الوصف الشهير بأنها “الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”، بعدما أحكمت سيطرتها على مايقرب من ربع مساحة العالم تقريباً.

 

ورغم كل ذلك، لم يكن النفوذ البريطاني مجرد توسع جغرافي، بل منظومة هيمنة متكاملة قامت على أسطول بحري هائل سيطر على طرق التجارة والمحيطات، إلى جانب سياسات استعمارية جمعت بين القوة العسكرية والدهاء السياسي واستمالة الدول.

 

اعتمدت لندن على مناهج وأساليب متعددة لبسط نفوذها، ففي بعض المناطق فرضت احتلالاً مباشراً على الأرض، بينما لجأت في مناطق أخرى إلى ما عرف بـ”الحكم غير المباشر”، عبر تنصيب حكام محليين يدينون لها بالولاء ويضمنون تدفق مصالحها الاقتصادية والسياسية.

 

وعلى الرغم من أن بريطانيا اليوم لم تعد تلك الإمبراطورية التي تحكم الماء والأرض، الا أنها لا زالت تحاول الحفاظ على حضورها العالمي عبر أدوات مختلفة، يأتي في مقدمتها ما يعرف بـ”القوة الناعمة”، أي النفوذ القائم على الرمزية والدبلوماسية والثقافة والتاريخ.
كل ذلك تجلّى خلال الزيارة التاريخية التي قام بها الملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة، في زيارة حملت أبعاداً سياسية عميقة خلف ستار من الدعابة البريطانية الراقية، التي لاتخرج إلا من الملوك.

 

في خطابه أمام الكونجرس الأمريكي، نجح الملك تشارلز في المزج بين التاريخ والسياسة والفكاهة بأسلوب أثار الجدل. فبينما كان يتحدث عن مرور 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة، أطلق مزحة أثارت ضحك الحضور حين قال: “أو كما نقول في المملكة المتحدة، هذا ليس سوى اليوم”. كانت العبارة خفيفة الظل حقاً، لكنها حملت في طياتها تذكيراً بتاريخ طويل من الصراع والتحالف بين بريطانيا وأمريكا.

 

ولم يتوقف الملك عند هذا الحد، بل استحضر العلاقة التاريخية بين جورج واشنطن والملك جورج الثالث، مسترجعاً إياها بروح ساخرة، نافياً أن يكون حديثه جزءاً من “عمل استراتيجي خبيث”.

 

وسط كل هذه الدعابات، كانت هناك رسائل سياسية واضحة، عندما شدد على أن كلمات الولايات المتحدة تحمل وزناً كبيراً، لكن الأهم هو أفعالها، في إشارة ضمنية إلى مسؤولية واشنطن تجاه حلفائها والعالم في ظل التحديات الدولية المتصاعدة التي يشهدها العالم الآن.
دار تشارلز خلال كلماته حول فكرة “تشابك المصير” بين بريطانيا والولايات المتحدة، وأن العلاقة بين البلدين أعمق من مجرد تحالف سياسي عابر، حتى لو اختلف الطرفان أحياناً في بعض الملفات.
المحللون اعتبروا حديث الملك البريطاني  رسائل غير مباشرة للكونجرس والإدارة الأمريكية، تدعو إلى الحفاظ على وحدة المعسكر الغربي في مرحلة دولية شديدة الاضطراب.
الجزء المثير حقاً كان خلال لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عندما بدا واضحاً أن الملك البريطاني اختار استخدام الفكاهة كأداة دبلوماسية ذكية لاحتواء التوترات السياسية وإرسال رسائل سيادية دون صدام مباشر وعلني. فعندما كرر ترامب تصريحاته المعتادة بأن أوروبا كانت ستتحدث الألمانية لولا تدخل الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، رد تشارلز سريعاً وبابتسامة مقصودة: “ولكن اسمح لي أن أقول لك إنه لولا وجودنا نحن البريطانيين، لكنتم أنتم الآن تتحدثون الفرنسية”.

حملت الجملة روح الدعابة، لكنها في الوقت ذاته أعادت التذكير بالدور البريطاني التاريخي في تشكيل الغرب الحديث، وكأن الملك أراد أن يقول إن العلاقة بين لندن وواشنطن قائمة على الشراكة لا التبعية لها.


وفي مزحة أخرى أثارت اهتمام الإعلام، أشار تشارلز إلى قيام القوات البريطانية بحرق البيت الأبيض عام 1814، قائلاً بأسلوب ساخر: “لقد قمنا بمحاولتنا المتواضعة لإعادة تطوير البيت الأبيض عقارياً”. وبذلك استغل خلفية ترامب كرجل أعمال في مجال العقارات ليحوّل حادثة تاريخية حساسة إلى لحظة خفيفة، تعكس ثقة بريطانيا بقدرتها على تجاوز خلافات الماضي مع الولايات المتحدة.
كما لم يفوّت الملك فرصة التلميح بطريقة مرحة إلى شخصية ترامب، عندما أشار إلى التعديلات الجديدة في الجناح الشرقي للبيت الأبيض، ملمحاً إلى أن الرئيس الأمريكي ربما شعر بالغيرة من فخامة قلعة وندسور بعد زيارته لها، وهو ما دفعه لبناء قاعة احتفالات جديدة.
وراء كل هذه المزحات، كانت هناك رسائل سياسية مدروسة بعناية. فقد حرص تشارلز على التأكيد مراراً على “الرابطة التي لا تنفصم” بين البلدين، في حين أظهر ترامب، إعجاباً واضحاً بالملك البريطاني، وأبدى نوعاً من الانبهار ببلاغته وقدرته على التأثير في الحضور داخل الكونجرس. وقال مازحاً إنه يشعر “بغيرة شديدة” من الطريقة التي جعل بها الملك الجميع يقفون احتراماً له. كما وصف تشارلز بأنه “صديق عزيز” ونعته خلال مراسم الاستقبال بـ”الملك اللطيف”.
في العمق، لم تكن زيارة تشارلز مجرد مناسبة بروتوكولية أو سلسلة من الدعابات الدبلوماسية، بل محاولة بريطانية لإعادة تثبيت موقع لندن على الساحة الدولية في عالم يموج بالتحولات المتسارعة.
الدول العظمى ذات العمق الحضاري، دوماً ما تستخدم قواها الناعمة في مواجهة لاتستطيع القوى " الخشنة" أن تخوضها.

Sherifaref2020@gmail.com

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة