يشهد ملف التدريب والتشغيل تحولات تشريعية واسعة مع صدور تنظيمات جديدة تستهدف إعادة هيكلة منظومة تنمية مهارات الموارد البشرية وربط مخرجات التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل، في إطار توجه رسمي لتحديث أدوات التأهيل المهني ومواجهة فجوات المهارات داخل القطاعات الإنتاجية والخدمية.
ونظم قانون العمل الجديد، فى بابًا كاملاً للتدريب، حيث نص على سريان أحكامه على جميع مراكز التدريب الخاضعة له، وعلى فئات متعددة تشمل الراغبين في التدريب، والأشخاص ذوي الإعاقة والأقزام والفئات الأولى بالرعاية، والمتدرجين، والراغبين في التأهيل المستمر، وعمال التلمذة الصناعية، بما يعكس اتساع نطاق الاستهداف ليشمل شرائح متنوعة من القوى العاملة.
وأكدت النصوص أن الجهة الإدارية المختصة تتولى التوجيه المهني لمساعدة الراغبين في التدريب على اختيار المهن المناسبة لقدراتهم، بالتوازي مع إعداد تصنيف مهني وطني شامل للمهن والحرف والوظائف، يتم تحديثه وفق التطورات التكنولوجية والتغيرات المناخية، وبما يضمن مواءمة المهارات مع متطلبات الاقتصاد الحديث.
وفي خطوة تنظيمية مهمة، نص القانون على إنشاء المجلس الأعلى لتنمية مهارات الموارد البشرية، برئاسة الوزير المختص، وعضوية ممثلين عن عدد كبير من الوزارات المعنية، إلى جانب ممثلين عن منظمات أصحاب الأعمال والعمال، مع إتاحة الاستعانة بخبراء دون أن يكون لهم صوت معدود في المداولات.
ووفقا للقانون، يتولى المجلس وضع السياسات العامة لتنمية مهارات الموارد البشرية، ورسم خطط ربط التعليم والتدريب بسوق العمل، مع التركيز على وظائف المستقبل، إضافة إلى وضع سياسات خاصة بتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأولى بالرعاية، بما ينسجم مع خطط الدولة في التنمية الشاملة.
كما أجاز القانون إنشاء مجالس تنفيذية على مستوى المحافظات لدعم تنفيذ الخطط التدريبية ومتابعة تطبيقها ميدانيًا، بما يعزز اللامركزية في إدارة ملف التدريب، ويتيح سرعة الاستجابة لاحتياجات سوق العمل المحلي.
وفي جانب التمويل، أنشأ القانون صندوقًا لتمويل التدريب والتأهيل على المستوى القومي، يتولى تمويل برامج التدريب المهني والتقني، وإنشاء وتطوير مراكز التدريب، وتمويل المشروعات المرتبطة بربط التعليم بسوق العمل، إلى جانب متابعة وتقييم البرامج الممولة.
ويعتمد الصندوق في موارده على نسبة مالية تُفرض على المنشآت التي تضم عددًا معينًا من العمال، إضافة إلى الإعانات والتبرعات وعوائد الاستثمار، مع إخضاع أمواله لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، بما يضمن الشفافية في إدارة الموارد.
وفي إطار تنظيم سوق التدريب، اشترط القانون أن تكون الجهات التي تزاول عمليات التدريب في شكل شركات مساهمة أو توصية بالأسهم أو ذات مسؤولية محدودة، مع استثناءات محددة تشمل منظمات أصحاب الأعمال والجهات الحكومية التي تدرب موظفيها، والمنشآت التي تدرب عمالها داخليًا، إضافة إلى الكيانات المتخصصة في تدريب ذوي الإعاقة.
كما ألزم القانون بالحصول على ترخيص من الجهة المختصة لمزاولة التدريب، وحدد شروطًا وإجراءات لمنح الترخيص وتجديده وإلغائه، مع وضع سقف للرسوم، وإلزام الجهات التدريبية بإخطار الوزارة بالبرامج التدريبية لاعتمادها وفق معايير تشمل محتوى البرامج وكفاءة المدربين وعدد الساعات ومستوى المهارة المكتسبة.
ونظم القانون كذلك عملية ترخيص المدربين أنفسهم، بحيث لا يجوز مزاولة التدريب إلا بعد الحصول على ترخيص رسمي، مع إنشاء سجل وطني للمدربين المرخصين، بما يضمن رفع كفاءة العملية التدريبية وضبط جودة التأهيل المهني.
وفيما يتعلق بالمتدربين، ألزم القانون الجهات التدريبية بمنح شهادات معتمدة توضح مستوى اجتياز البرنامج التدريبي، مع تحديد بيانات موحدة للشهادات، بما يتيح الاعتراف الرسمي بالمخرجات التدريبية في سوق العمل.
أما فيما يخص ممارسة المهن والحرف، فقد اشترط القانون الحصول على ترخيص مزاولة مهنة أو حرفة محددة بقرار من الوزير المختص، مع ربط التشغيل بالحصول على شهادة قياس مهارة، باستثناء خريجي التعليم الفني والجامعي في مجال تخصصهم.
وفي سياق تنظيم التدريب داخل مواقع العمل، حدد القانون سن المتدرج بألا يقل عن 14 عامًا، مع إلزام صاحب العمل والمتدرج بعقد مكتوب يحدد مدة التدريب ومراحله ومكافآته التصاعدية، بما لا يقل عن الحد الأدنى للأجر في المرحلة النهائية.
كما منح القانون للطرفين حق إنهاء اتفاق التدريب بشرط الإخطار المسبق بثلاثة أيام على الأقل، مع الإبقاء على حقوق المتدرجين فيما يخص الإجازات وساعات العمل وفترات الراحة وفق القواعد العامة المنظمة للعمل.
ويعكس هذا الإطار التشريعي توجهًا نحو إعادة بناء منظومة التدريب المهني في مصر على أسس مؤسسية حديثة، تستهدف رفع كفاءة القوى العاملة، وتحسين جودة المهارات، وتعزيز قدرة الاقتصاد على استيعاب التغيرات التكنولوجية المتسارعة.