في السياسة الدولية، هناك دول تصنع الأحداث، وهناك دول تصنع المستقبل.
والصين، خلال العقد الأخير، لم تكتفِ بأن تكون مصنع العالم أو أكبر قوة اقتصادية صاعدة، بل قررت أن تطرح سؤالًا مختلفًا على العالم كله:
لماذا تظل حركة التجارة العالمية، وخطوط الطاقة، وسلاسل الإمداد، مرتبطة بقواعد صنعها الآخرون منذ عقود؟
ومن هنا، أطلق شي جين بينغ عام 2013 ما عُرف باسم مبادرة الحزام والطريق… المبادرة التي قد تبدو في ظاهرها مشروعًا اقتصاديًا، لكنها في حقيقتها رؤية سياسية، وفلسفة استراتيجية، وربما إعادة صياغة كاملة لخريطة النفوذ العالمي.
أولًا: ما هي مبادرة الحزام والطريق ببساطة؟
بمنتهى البساطة..
الصين قررت أن تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط بشبكة ضخمة من:
• الموانئ
• السكك الحديدية
• الطرق السريعة
• المناطق الصناعية
• خطوط الطاقة
• الاتصالات والتكنولوجيا
بحيث تتحرك البضائع، والطاقة، والاستثمارات، والبيانات، عبر مسارات تكون الصين شريكًا رئيسيًا فيها.
المشروع يشمل عشرات الدول عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويمتد إلى ممرات بحرية وبرية تربط العالم اقتصاديًا.
السؤال هنا: لماذا تفعل الصين ذلك؟
ثانيًا: لماذا أطلقت الصين المبادرة أصلًا؟
الإجابة التقليدية تقول: من أجل التجارة.
لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
الصين أدركت مبكرًا أن القوة في القرن الحادي والعشرين لن تكون فقط في امتلاك المصانع، بل في امتلاك الطريق إلى الأسواق.
يمكنك أن تنتج أفضل منتج في العالم، لكن إذا لم تتحكم في الميناء، أو خط الشحن، أو مسار الإمداد، فإن جزءًا كبيرًا من قوتك يبقى في يد الآخرين.
ولهذا لم تقل الصين: “سنبيع للعالم.”
بل قالت عمليًا: “سنعيد تصميم الطرق التي يصل بها العالم إلى بعضه.”
وهنا الفرق.
ثالثًا: من المستفيد الحقيقي؟
الكثير يعتقد أن المستفيد الوحيد هو الصين… وهذا تحليل ناقص.
الصين تستفيد لأنها:
• تؤمن أسواقًا جديدة.
• تقلل اعتمادها على الممرات التي قد تتعرض لضغوط سياسية أو عسكرية.
• توسع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي.
• تصدر خبرتها الصناعية والتمويلية.
الدول المشاركة تستفيد لأنها تحصل على:
• بنية تحتية لم تكن تستطيع تمويلها بسهولة.
• موانئ وطرق وسكك حديدية.
• مناطق صناعية وفرص عمل.
• ربط أفضل بالأسواق العالمية.
لكن هناك نقطة لا يناقشها كثيرون:
الاستفادة لا يحددها المشروع… بل يحددها استعداد الدولة.
الدولة التي تدخل المبادرة بلا رؤية قد تصبح مجرد ممر.
أما الدولة التي تدخل بخطة واضحة… فقد تتحول إلى مركز نفوذ إقليمي.
وهذه نقطة جوهرية.
رابعًا: لماذا أفريقيا مهمة جدًا في المبادرة؟
أفريقيا ليست بالنسبة للصين مجرد سوق.
أفريقيا بالنسبة للصين تمثل ثلاثة أشياء في وقت واحد:
1. قارة المستقبل السكاني
خلال العقود القادمة ستكون من أكبر مناطق النمو السكاني في العالم.
2. مخزن الموارد
من المعادن النادرة إلى الطاقة والمواد الخام.
3. ساحة النفوذ القادم
من يبني الطرق والموانئ اليوم… قد يصبح الشريك الاستراتيجي الأول غدًا.
ولهذا نرى استثمارات صينية في دول مثل كينيا، إثيوبيا، وأنغولا.
لكن القراءة الأعمق هنا ليست “الصين في أفريقيا”.. بل:
هل أفريقيا تتعامل مع الصين كممول.. أم كفرصة لإعادة بناء استقلالها الاقتصادي؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
خامسًا: لماذا مصر مهمة جدًا في المبادرة؟
إذا كانت الصين تريد ربط العالم… فإن مصر ليست محطة عادية في هذا المشروع.
مصر تمتلك:
• قناة السويس… أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
• المنطقة الاقتصادية لقناة السويس… بوابة صناعية ولوجستية.
• موقعًا يربط أفريقيا بآسيا وأوروبا.
لكن النقطة التي لا يناقشها كثيرون هي:
قيمة مصر في المبادرة ليست في الموقع فقط، بل في القدرة على تحويل الموقع إلى قرار.
أي دولة يمكن أن تكون معبرًا.
لكن ليست كل دولة تستطيع أن تتحول إلى منصة تصنيع، وإعادة تصدير، وخدمات لوجستية، ومركز قرار إقليمي.
وهنا يكمن التحدي المصري.
سادسًا: ماذا تعني المبادرة للعالم؟
العالم بعد الحرب العالمية الثانية بُني إلى حد كبير على مؤسسات ونظم قادها الغرب.
اليوم، الصين لا تقول إنها تريد إسقاط هذا النظام… لكنها تقول شيئًا أكثر ذكاءً:
“سنبني نظامًا موازيًا يجعل العالم أقل اعتمادًا على مركز واحد.”
وهنا تظهر فكرة:
• تعددية الأقطاب.
• تنويع الشراكات.
• إعادة توزيع النفوذ.
ولهذا فالمبادرة ليست مجرد اقتصاد… بل جزء من إعادة تشكيل النظام الدولي.
السؤال الذي لم يُطرح بما يكفي
ربما السؤال الأهم ليس:
هل ستنجح مبادرة الحزام والطريق؟
السؤال الحقيقي هو:
عندما تُبنى طرق التجارة، والموانئ، والطاقة، والبيانات عبر شراكات طويلة المدى… هل نحن أمام شبكة اقتصادية فقط، أم أمام شكل جديد من التحالفات السياسية لا يحمل اسم “تحالف”؟
في تقديري.. هذا هو جوهر المبادرة.
الصين لا تطلب من العالم أن ينضم إلى معسكرها…
الصين تجعل العالم يرتبط بمصالح تجعل اتخاذ القرار ضدها أكثر تكلفة.
وهنا تبدأ السياسة، بعد انتهاء الاقتصاد.
كاتب المقال
أمين العلاقات الخارجية بحزب حماة الوطن