لا إلى الحرب يتدحرج ترامب مجددا، ولا للتسوية يسير مُجتبى؛ حال كان قادرا على السير أصلاً، أو غير محبوس فى فقاعة مُعقّمة يديرها حرس الثورة.
يصح اختزال المشهد فى عبارة «يبقى الوضع على ما هو عليه»، ما يعنى أن الميدان لن يتحرّك، وأحدث جولات الصراع آيلة إلى الجمود.
دخل الطرفان مسارا مسدودا، واصطدما بالجدار. ويُمكن الجزم بأنهما بصدد البحث عن مخارج لا أكثر، يشتبكان فى المعنوىّ قبل المادى، وعلى الصورة لا المضمون.
أخفق ترامب فى حسم المواجهة الخشنة، وصمود الإيرانيين لا يعنى أنهم سالمون تماما، ولا يعفيهم من كلفة الهزيمة وتداعياتها، داخليا وخارجيا، وفى السياسة كما الاقتصاد.
قُدِّمت أوراق وأفكار من العاصمتين، ومُزِجَت لدى الوسطاء، أو جرت المُقاصّة بينها، ثمّ عرضت طهران اقتراحا رفضته واشنطن، فعقّبت بثانٍ، ولم يختلف الرد، وقد يظلّان طويلان فى الدائرة.
والحال؛ أن الحقائق جليّة أمامهما، ولا أحد منهما ذاهل عن الواقع أو معتلّ البصر. الولايات المُتّحدة مُتقدّمة فى القتال، متأخرة فى الحوار، وعاجزة عن تظهير نجاحاتها سياسيا.
والجمهورية الإسلامية أقدر على التحمّل، مُكبّلة بالوقت وحساباته، ولا سبيل لديها لقَلب المعادلة المُختلة تكتيكيا واستراتيجيا، وأقصى ما تقدر عليه المُماطلة و الاستنزاف المُتبادَل.
غالب الظنّ أنهما توصّلا لخُلاصات نهائية، يكاد يُطل الاتفاق فيها من زحام التشغيب والمُجادلة. وما الاستعصاء إلا لتحديد نقطة البدء فيما سيقع حتمًا، وهل يكون على مُقربة من قبعة ماجا، أم تحت عمامة المُرشد الفارسى.
لن يقبل رجل الصفقات فى البيت الأبيض إلا بأفضل ممّا أنجزه أوباما، وطوّحه بنفسه قبل ثمانى سنوات. ويعلم خصومه ذلك، واستهلاك المُهَل غايته الترويض وتقليص الشروط.
غير أن التناقض الأكبر، يعود إلى أن إرخاء الحبل يرفع الكُلفة، فيُضاعف تشدّه بدلاً من تليينه. أى أن الأعباء المُتزايدة، تدفع الرئيس المزاجى المُتقلّب للتحرُّك معها، والحل فى التعجيل لا الإرجاء!
الثابت من التقارير؛ أن النسخة الأخيرة تشتمل على تنازلات إيرانية غير هيّنة، منها أنهم عرضوا وقف التخصيب بين عشرٍ أو خمس عشرة سنة، ثم العودة عند الحد الأدنى، ونقل الكميات المُخصّبة لنسبة 60 % إلى بلد وسيط.
ويتكوف وكوشنر لم يحملا مطالب أبعد كثيرًا؛ غير أنهما مُكلّفان ببحث الملفات كلها كحزمة واحدة، دون ترتيبها أو تأخير أحدها، وبما يقود لصفقة كاملة شاملة.
أما طهران؛ فتريد التدرّج صعودًا من الهُدنة، ففتح المضيق وإنهاء الحصار، ورفع العقوبات أو تخفيفها، ثم يُصار للقضية الأساسية مُمثّلة فى النووى، ومن دون التطرُّق للصواريخ الباليستية، أو ملف الميليشيات والوكلاء الإقليميين.
لن يتنازل القوىّ، ويعلم الضعيف أنه مُسيّر لا مُخيّر المُنتهى. والعُقدة كلها هل يكون تثبيت الهُدنة تعاقديًّا قبل التنازلات أم بعدها، بما يُعيد تفسير البنود نفسها لصالح طرف دون الآخر.
تسليم ترامب بما يُريده الإيرانيون، يعنى الإقرار لهم بسردية النصر، وأنهم فرضوا شروطهم قبل التضحية بأى شىء.
ويُتيح تفسير أى اتفاق نووى لاحقا، على أنه من منطقة الاختيار لا الاضطرار، وفى سعةٍ وتعقُّل، لا عن ضغطٍ واحتياج ورعب وجودى.
أما العكس؛ فمعناه أن العقائديين يُسلّمون بهزيمتهم، وتغلُّب القوة على الإيمان، مع منح الشيطان الأكبر مُتّسعًا لإبراز هيمنته، وتبرير الحرب فى بيئته، وعبور الانتخابات النصفية بدون خسائر؛ إن لم يكن بمكاسب أكبر!
لست مُغرمًا بنظرية المؤامرة، ولا فرعها المحمول على فكرة التواطؤ والدراما المصنوعة؛ وإن كان حقيقيًّا وله شواهد لا حصر لها، ليست آخرها الجولة الماضية/ حرب الاثنى عشر يومًا «يونيو 2025»، وقصف قاعدة العُديد القطرية بعد إخطار وتنسيق.
سبق أن صرّح ترامب بأنه عندما قتل قاسم سُليمانى بالعراق، استأذنه الإيرانيون فى الرد بإطلاق مقذوفات على قاعدة «عين الأسد»، ومنح موافقته بعد ترتيب الأجواء بما يُمرّر العرض الدعائى ولا يمسّ سلامة القوات!
بدأت الهُدنة فى الثامن من أبريل، وبعد خمسة أيام ضُرِب الحصار على الحصار. أُوقِفت الناقلة الإيرانية «توسكا» لمحاولتها اختراق سياج النار الأمريكى.
وليس مجّانيا أن يُحرر ترامب كامل طاقمها، الاثنين، ويرسلهم لطهران عبر إسلام آباد، بالتزامن مع إطلاق «مشروع الحرية» لتسليك شريان هُرمز، وتأمين الملاحة عبر المضيق.
يسعى للحلحلة دون شكّ، وغايته إنهاء الاستعصاء، سواء بفرض إرادته سلمًا، أو استدراج خصومه لخطيئة سوء التقدير، ولمنحه ذريعةً جديدة للقتال. ما يُذكّر بأجواء حرب الناقلات فى الثمانينيات.
يتعزّز القلق، بالنظر إلى تسخين المياه سريعًا. عبرت سُفن تجارية فى حماية الأمريكان، وصوّب الحرس على غيرها، ومنها قِطع إماراتية، كما قصف ميناء الفجيرة، مع التعمية على الانتقاء الدقيق بعملية شكلانية ضد السلطنة المُجاورة.
وتحديد الهدف، يعود لأنه يُمثّل ثغرة تلتفّ على إغلاق المضيق، ويتيح لأبو ظبى تصدير نحو 1.8 مليون برميل عبر خط حبشان إلى خليج عُمان مباشرة.
الرسالة إمّا أن نتنفس معًا، أو يختنق الجميع. ما يمنح الردّ قدرًا من الجدية، ويحفظ هالة الصقور أمام الموالين والمناوئين على السواء.
طبقة الحُكم فى إيران مُنقسمة ومُتنازعة؛ ولو أنكرت. غير أن القرار لدى الجنرالات المُتشدّدين، ومأزقهم فى المواءمة بين النجاة والكرامة.
سيتحدّد التأويل السليم فى ضوء ردود فعل الإيرانيين. وليس القصد ما أحدثوه من جلبة قبل يومين، إنما الأداء طويل المدى وما ستسير إليه الوقائع. وقد انقشع الغبار، وانحسرت المخاطر، وعادت مطارات الإمارات للعمل.
الوضع صعب على الجميع، المُسالم قبل المُحارب. عرض العراق نفطه خلال مايو بخصم يصل 33 دولارا للبرميل، ودول الخليج تئن رغم الوفرة.
تعرف واشنطن كيف تُعوّض على حساب غيرها؛ إنما طهران يلتصق بطنها بظهرها، وستهضم المعدةُ نفسَها من الجوع والحامضية المُفرطة!
لن تنتهى الحرب بنصر حاسمٍ مع نخبٍ مُحلّى، وعلى المُتضرر أن يتجرّع قدرًا أكبر من المرارة. وإلى الآن، يبدو أن واشنطن أقدر على الصبر والانتظار، فيما يضيق الخناق على أعناق الملالى!