فى قرى هادئة على ضفاف النيل بمركز إدفو، فى أسوان، لم تكن مهنة الصيد مجرد عمل يومى، بل كانت حكاية كفاح طويلة تحمل بين طياتها معاناة البحث عن لقمة العيش فى ظروف صعبة.
ومع غلاء مستلزمات الصيد وتهالك المراكب القديمة، أصبح كثير من الصيادين عاجزين عن مواصلة رحلتهم، حتى جاءت مبادرة “مراكب الرزق” لتعيد إليهم الأمل وتمنحهم فرصة جديدة للحياة.
بداية جديدة على صفحة النيل
داخل قرية كلح الجبل، تجمّع العشرات من الأهالى فى مشهد إنسانى مبهج، لحظة تسليم 30 مركب صيد مجهزة بالكامل لصغار الصيادين، ضمن جهود التحالف الوطنى للعمل الأهلى التنموى، بالتعاون مع مؤسسة صناع الخير وأحد البنوك الوطنية ولم تكن هذه المراكب مجرد أدوات عمل، لكنها كانت بمثابة طوق نجاة لكثير من الأسر التى تعتمد بشكل أساسى على الصيد كمصدر دخل.
المبادرة لم تأتِ بشكل منفصل، لكن ضمن حزمة متكاملة من الخدمات التى استهدفت تحسين جودة الحياة داخل القرية، بداية من القوافل الطبية المجانية، مرورًا بافتتاح محطة تنقية مياه، وصولًا إلى إنشاء ثلاجة لحفظ الأسماك، فى إطار مبادرة “حياة كريمة”.
عبدالسلام الشاذلى.. رحلة كفاح تنتهى بابتسامة
قال عبدالسلام الشاذلى، من قرية كلح المفالسة، إن حياته تغيرت بالكامل بعد حصوله على المركب الجديد، موضحًا أنه كان يعمل بمركب قديم بالكاد يكفى احتياجاته اليومية.
وأضاف: "كنت أخرج للصيد وأنا غير مطمئن، المركب قديم والأدوات ضعيفة، وكان العائد قليل جدًا.. لكن دلوقتى بقى عندى مركب مجهز وشباك حديثة، وبقيت أرجع لبيتى وأنا مطمن إنى هعرف أصرف على أولادى".
كلمات عبدالسلام لم تكن مجرد وصف، لكن عكست حجم التحول الذى أحدثته المبادرة فى حياة المستفيدين.
عبداللطيف حسيب.. من القلق إلى الاستقرار
أما عبداللطيف حسيب، من قرية الحبارى، فيؤكد أن المبادرة لم توفر له فقط وسيلة للعمل، لكن منحته شعورًا بالأمان والاستقرار ويقول: “كنا بنعانى من قلة الإمكانيات، وأوقات كتير ماكنتش بنعرف نطلع نصطاد بسبب ضعف المعدات.. النهاردة الوضع اختلف، المركب الجديد خلانى أشتغل بكفاءة وأحقق دخل أفضل”.
وأشار، إلى أن استخدام أدوات الصيد الحديثة ساهم فى زيادة الإنتاج، مما انعكس بشكل مباشر على تحسين مستوى معيشته.
ربيع مغربى محمود.. أمل يتجدد
ربيع مغربى محمود، من قرية كلح الجبل، كان من بين المستفيدين الذين اعتبروا المبادرة نقطة تحول حقيقية فى حياتهم.
ويقول: “المركب ده مش بس شغل، ده مستقبل ليا ولأولادى.. بقيت قادر أخطط لبكرة بدل ما كنت عايش يوم بيوم”.
ويضيف أن وجود ثلاجة لحفظ الأسماك داخل القرية ساعدهم على تقليل الفاقد وبيع الأسماك بأسعار أفضل، بدلًا من الاضطرار لبيعها بسرعة خوفًا من تلفها.
عادل عربى.. كرامة العمل
بينما يرى عادل عربى، أحد صيادى مركز إدفو، أن أهم ما قدمته المبادرة هو استعادة كرامة العمل ويقول: “أكبر حاجة حسيتها إننا بقينا معتمدين على نفسنا.. بدل ما نستنى مساعدة، بقينا نشتغل ونكسب بإيدينا”.
وأكد، أن هذه المبادرات تساهم فى الحد من البطالة، خاصة فى القرى البعيدة التى تفتقر إلى فرص العمل.
خدمات متكاملة.. دعم يتجاوز الصيد
لم تقتصر جهود المبادرة على تسليم المراكب فقط، لكن شملت تنظيم قافلة طبية مجانية استهدفت نحو 700 حالة، مع توفير العلاج وإجراء العمليات الجراحية للحالات المستحقة، بالإضافة إلى توزيع نظارات طبية.
كما تم افتتاح محطة تنقية مياه لخدمة الأهالى، وتركيب وصلات مياه للأسر الأكثر احتياجًا، وهو ما يعكس رؤية تنموية شاملة تستهدف تحسين جودة الحياة وليس فقط توفير فرص العمل.
وفى هذا السياق، أكدت رانيا علوان، عضو مجلس أمناء مؤسسة صناع الخير، أن الهدف من هذه المبادرات هو الوصول إلى القرى الأكثر احتياجًا، وتقديم خدمات متكاملة تساهم فى تحسين حياة المواطنين.
التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان
ما حدث فى قرى إدفو يعكس نموذجًا حقيقيًا للتنمية المستدامة، التى لا تقتصر على تقديم مساعدات وقتية، لكن تعتمد على تمكين الإنسان وتوفير أدوات الإنتاج له، فالمركب الذى تسلمه الصياد اليوم، هو مشروع صغير يفتح باب رزق دائم، ويساهم فى تحسين دخل الأسرة، ويدعم الاقتصاد المحلى فى الوقت نفسه.
كما أن تكامل الخدمات بين الصحة والبنية الأساسية وفرص العمل، يعكس فلسفة جديدة فى العمل الأهلى تقوم على الشمولية والاستدامة.
حلم بسيط يتحقق
فى نهاية اليوم، وبين ضحكات الصيادين وهم يستعدون لخوض أول رحلة صيد بمراكبهم الجديدة، تتجسد قصة نجاح إنسانية عنوانها الأمل وفى قرى كانت تعانى من قلة الإمكانيات، أصبحت هناك فرصة حقيقية لحياة أفضل، بفضل مبادرات تستهدف الإنسان قبل أى شىء.
ويبقى الحلم بسيطًا لدى هؤلاء الصيادين: أن يعودوا كل يوم من النيل محملين بالخير، وأن يكبر أبناؤهم وهم يرون فى العمل كرامة، وفى الأمل طريقًا لا ينتهى.

احتفالية تسليم المراكب

الصيادون

المراكب

آيس تانك

تسليم عقود

ثلاجة حفظ أسماك

شبك وأدوات صيد

فرحة الأطفال

فرحة الصيادين

مركب صيد

وثيقة تسليم المراكب