تمر اليوم ذكرى رحيل موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب الذى توفى يوم 4 مايو سنة 1991، بعد رحلة طويلة كتب فيها اسمه الخالد فى عالم الموسيقى، وقد اهتم الكتاب كثيرا بمحمد عبد الوهاب وحياته، ومن ذلك كتاب زعماء وفنانون وأدباء لـ الكاتب الصحفى والشاعر كامل الشناوي، والذى يقول فيه تحت عنوان البلبل الصغير بين شوقى وخصومه.. البلبل الصغير!
هكذا كانوا يسمونه منذ ثلاثين عامًا، وقد ظل خمس سنوات يحمل لقبَ بلبل، ثم لقب بلبل صغير ثم لقب مطرب الملوك والأمراء، وأخيرًا تنازَلَ عن جميع هذه الألقاب، واحتفَظَ منها بلقبٍ واحدٍ، هو لقب الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب!
لمع نجم عبد الوهاب لأول مرة خلال الفترة بين عامَى 1921 و1926، وكان شوقى قد سمعه فأعجب به وتحمَّسَ له، وأخذ يمهِّد له طريقَ المجد، فلا يمر يوم دون أن يطالع القراء صورته فى المجلات الفنية والأدبية مقترنة بكلمةٍ أو مقال أو قصيدة فى التغنِّى بصوته، والإشادة بموسيقاه.
محمد عبد الوهاب وأحمد شوقي
وكان شوقى يتراءى من خلال ما تكتبه الصحف عن عبد الوهاب، فقد أُعجِب بعبد الوهاب، وشغف بصوته حبًّا، وكانت المعركة على أشدها بين شوقى وخصومه، وظهر فى ذلك الحين كتاب الديوان للكاتبين الكبيرين العقاد والمازني، وقد تناوَلَ هذا الكتابُ شعرَ شوقى وشخصه وتاريخه وحياته بالهجوم والنقد والتجريح، وانقسمت الصحف إلى معسكرين؛ أحدهما يدافع عن شوقى ويهاجم العقاد والمازني، والآخر يهاجم شوقى ويشيد بأدب العقاد والمازني.
وكان أنصار شوقى يتعصبون له ضد خصومه، فكل ما يصدر عن خصومه سخيف حقير مبتذل سواء كان أدبًا أو فنًّا أو مذهبًا سياسيًّا، وكان خصومه يتعصبون ضده، فالحَسَن عنده قبيح عندهم، وما يراه صوابًا يرونه خطأً، والبلبل الصغير ليس إلا غرابًا!
وأخذ المازنى — رحمه الله — يهاجم عبد الوهاب فى جلساته الخاصة، ويقول إن صدر عبد الوهاب ضيق، فهو لا يصلح أن يكون مغنيًا ولكن يصلح أن يكون مريضًا!
وكان المازنى لم يسمع عبد الوهاب بعدُ، ورأى أحد أصدقاء عبد الوهاب أن يحميه من هجوم المازنى عليه، فأقام حفلة فى داره دعا إليها المازنى والعقاد، وغنَّى عبد الوهاب فى الحفلة، وأبدى العقاد إعجابه بصوت عبد الوهاب، وقال إنه لا عيبَ فيه إلا إعجاب شوقى به! ولما سُئِل عن رأيه فى عبد الوهاب قال: صوته قوى عذب جذَّاب، واستعداده الفنى عظيم، وقيل له: هل تمنعك خصومتك لشوقى من أن تقول كلمة عن عبد الوهاب؟
فقال: كلا، وسأنظم قصيدةً.
ونظم أبياتًا قال فيها:
إيه عبد الوهاب إنك شادٍ يطرب السمع والحجا والفؤادا
وقد سمعناك ليلةً فعلمنا كيف يهوى المعذَّبون السهادا
ونفينا الرقاد عنَّا؛ لأنا قد حلمنا وما غشينا الرقادا
بارك الله فى حياتك للفن وأبقاك للمحبين زادَا
وكتب المازنى يصف الليلة التى غنَّى فيها عبد الوهاب، فقال:
ومن أمتع ما مرَّ بى فى هذه الحياة — التى لا أراها ممتعة، ولا أحبُّ أن تطول أو تتكرر — ليلة قضيتها بين شرابٍ وسماع، فأما الشراب فلعل القارئ أدرى به! وأما السماع فقَلَّ مَن شجى به، كما شجيت فى تلك الليلة، إى والله، وما زلتُ إلى الساعة — كلما خلوت بنفسى — أغمض عينى وأتسمع، وأحاول أن أبتعث ذلك الصوت البديع، الذى هاجنى إلى ما بى كما لم يَهِجنى صوتٌ سواه، وقد أعجب لما يصب فى الأذن أين يذهب؟ وربما أثارنى هذا العجز عن إحياء صوتٍ أكثر من تصوُّره فى ضمير الفؤاد، وقد أغالى فى إكبار هذه الثروة الصوتية، وأتمنَّى لو رُزِقت شيئًا منها بكل مالى — لو أن لى شيئًا! — ثم أعود فأسخر من نفسي، وأضحك من أمنية يستخفنى إلى إنشائها الطرب العارض.
ثم أسخر من سخرى وأقول لنفسى فى حدةٍ: أَوَلَا يسرُّ الإسكندر وقيصر وسليمان أن ينزلوا لمثلى عن نصف ما أحرزوا من مجدٍ، لو أنه وسعنى أن أخول كلًّا منهم ليلة واحدة كهذه الليلة التى نعمت فيها!
كأنى لم أكن أسمع بل أُسقى من رحيق الجنان، وكأنه لم يكن غناء مصوغًا من شجا القلوب، بل من شعاع العقول.
وهكذا أمتعنا عبد الوهاب بغبطته فى ليلةٍ كانت كلها سحرًا، وردَّنى بعدها بغير ذى أذن إلى كل نغمةٍ من سواه، وغير ذى صور إلا إلى فتنة مَن هوى فنه وشجاه، ولولا أن يُعَدَّ ذلك جحودًا ولؤمًا لَتجاوزْتُ عن ذكر اسمه، فإنه أحلى عندى وأوقع فى نفسى أن أجرِّد غناءه من صورته الآدمية على حسها النرجسي، وأن أتصوَّرَه أبدًا هوًى سابحًا، وروحًا هائمًا، وصوتًا صافيًا.
هذا بعض ما كتبه المازنى عن عبد الوهاب.
وقد فرح شوقى بما نظمه العقاد فى عبد الوهاب، وما كتبه المازنى عن عبد الوهاب، واعتبر ذلك نصرًا شخصيًّا له، فقد كان حبه لعبد الوهاب عنيفًا جارفًا.
وكان عبد الوهاب عاطفةً فى قلبه، وفكرةً فى رأسه، ونورًا فى عينَيْه.
ولكن بعض أصدقاء شوقى أفهموه أن كتابة المازنى والعقاد عن عبد الوهاب ستجعله ينضم إليهما، وأفهموه أن بلبله الصغير قد بنى له عشًّا فى قلب المازنى وقلب العقاد، واقتنع شوقى بذلك، وإذا به يسلط بعض الصحف على العقاد والمازني، لتجامعهما فى موضوع عبد الوهاب بالذات، فكتب المرحوم حسين شفيق المصرى مقالًا نقد فيه قصيدة العقاد، وقال: هل أراد العقاد أن يمدح عبد الوهاب أو أراد أن يذمه؟ إنه يقول:
قد سمعناك ليلةً فعلمنا كيف يهوى المعذَّبون السهادَا
إذن لم تكن ليلة طرب بل كانت ليلة شقاء، إن عبد الوهاب لم يُشْجِ الشاعرَ ولكن أشقاه، وسامه سوء العذاب!
وكيف يتفق هذا الشقاء والعذاب، مع وصف الشاعر للمغنى بأنه أطرب السمع والحجا والفؤاد؟
وكتبَتْ جريدة الكشكول كلمة تحت عنوان «هجاء فى مدح»، قالت فيها:
سأل أعرابى أحد المغنين ما الغناء؟ فأراد المغنى أن يُرِى الأعرابى كيف يكون الغناء، فأخذ يتغنى بأبياتٍ من الشعر، ويهتز، ويلقى برأسه إلى الوراء، ثم يعتدل، ويتجعد وجهه، وتلعب عيناه، فقال له الأعرابي: "والله يا أخى ما يفعل بنفسه هكذا عاقل!"
وقد صدق، ولم نَرَ مَن استملح هذه البشاعة من المغنين غير المازني، فقد كتب فصلًا عن المغنى النابغة محمد أفندى عبد الوهاب، قال فيه إنه إذا تناوَلَ العود وأصلحه واستعَدَّ للضرب عليه، يرفع رأسه حتى يكاد يمس به ظهر الكرسي، ويرسل طرفه إلى الفضاء، وتلك أوصاف مفتراة، ظنها المازنى ممَّا يُحمَد من المغنين، فوصف بها عبد الوهاب، وعبد الوهاب براء منها!
ثم قالت:
ولا نرى المازنى أخزاه الله يصف مغنيًا، ولكنه يصف قردًا، وخُيِّلَ إليه أنه يمدح وهو يهجو، ولا شأن لنا به.
فَلْينظر عبد الوهاب كيف جزاء مَن يُطرب الحمقى والجهال، فلا يكافئونه إلا بإلحاقه بالقرود.
ولما ظهر الكشكول وفيه هذه الكلمة، أخذ شوقى يبدى إعجابه بالكاتب متسائلًا: يا ترى مَن يكون؟ إنه ليس أديبًا فقط، ولكنه أديب وموسيقى ويفهم فى علم النفس. وكان يقول هذه الكلمات على مسمعٍ من عبد الوهاب.
كان كاتب هذه الكلمة هو شوقى نفسه، وقد نشرها غفلًا من الإمضاء!
وقد نجح شوقى فى إقصاء عبد الوهاب عن العقاد والمازني، وظلَّ المازنى حانقًا على عبد الوهاب إلى قُبَيْل وفاته بسنتين.
أما العقاد فقد نشر قصيدته عن عبد الوهاب فى البلاغ، ولما تغيَّرَ رأيه فى عبد الوهاب رفض تسجيل القصيدة فى أى ديوانٍ من دواوين شعره.