العلمين.. ما قاله محمد رياض في كتابه "مصر نسيج الناس والمكان والزمان"

الأحد، 31 مايو 2026 12:31 م
العلمين.. ما قاله محمد رياض في كتابه "مصر نسيج الناس والمكان والزمان" مدينة العلمين الجديدة

أحمد إبراهيم الشريف

تبدو مدينة العلمين في الذاكرة العامة مدينة مرتبطة بالحرب العالمية الثانية ومعاركها الحاسمة، ثم ارتبط اسمها في السنوات الأخيرة بصورة المدينة الجديدة ومشروعات العمران والسياحة على الساحل الشمالي. غير أن قراءة الجغرافي الكبير محمد رياض في كتابه "مصر: نسيج الناس والمكان والزمان" تفتح زاوية أعمق للنظر إلى العلمين، بوصفها جزءًا من تاريخ طويل للساحل المصري الغربي، حيث تداخل الدفاع مع العمران، والبيئة مع الهجرة، والبحر مع النشاط الاقتصادي، منذ العصور القديمة حتى تحولات الاصطياف والتنمية الحديثة.

في الفصل المعنون "حول بعض أقاليم مصرية مختارة وقضاياها الراهنة"، يتوقف محمد رياض أمام الساحل الممتد غرب الإسكندرية إلى العلمين، ليقرأه قراءة تجمع بين التاريخ والجغرافيا والإنسان، يقول الكتاب:

ماذا كان دور الإنسان على السواحل المصرية؟ منذ العصور الفرعونية أقام الإنسان نقاطًا حصينة لحماية مصر تمثلت في الشرق عند بيليزيوم، وفي الغرب مرة عند مطروح وأخرى عند العلمين، وعندما استقرت هجرات سكان بعض المدن الإغريقية أقامت مدنًا صغيرة على الساحل الشمالي من برقة إلى الإسكندرية، وبذلك زادت وظيفة الساحل من الدفاع فقط إلى الإنتاج البحري — بخاصة الإسفنج — وأنواع من الزراعات على رأسها الكروم والزيتون والقمح، إضافة إلى الدفاع ضد قبائل الرعاة من البربر، واستقرت هذه الوظائف طوال العصر الروماني مع اهتمام أكبر بالقمح الذي كان يصدر عبر المواني العديدة الصغيرة إلى روما، وربما كان ذلك نتيجة لتغيرات مناخية زادت معها الأمطار وزادت معها الآبار المسماة رومانية، وفي العصر الإسلامي بدأ الجفاف النسبي يحل تدريجيًّا والرعي مع زراعات التين والشعير تأخذ الصدارة محل الكروم والقمح.

يتميز الشاطئ غرب الإسكندرية إلى العلمين باستقامة واضحة في اتجاه الجنوب الغربي حتى يصل إلى بطن خليج العرب، وهو في هذا النطاق يتصف بالقليل من الرءوس والبروزات المنخفضة مع خلجان صغيرة وكثبان صغيرة ورمال تبعثرها الرياح وسبخات تمتلئ بمياه المد أو العواصف القوية، والرياح الشمالية الممطرة تكاد تتعامد مع هذا الجزء من الساحل مما يؤدي إلى زيادة نسبية في المطر الساقط، ويسمح باستخدامات أرضية جيدة كالزراعة في الألف الأولى الميلادية وزراعات التين فيما بعد ذلك للأسباب المذكورة سابقًا، كما أن ظهير المنطقة تشغله بحيرة مريوط وامتدادها الغربي والتي كانت أيضًا بحيرة مياه عذبة معظم الألف الأولى وتميزت بعمران قروي زراعي كثيف، بينما تملحت مياهها منذ انقطاع مياه الفرع الكانوبي أصبحت أقل عطاء عن ذي قبل، وما زال ذراع ملاحة مريوط يمتد حتى محمية العميد غربي الحمام بقليل. خلاصة القول: إن هذا الجزء من الشاطئ الشمالي كان أجود الأماكن لكنه تحول إلى الافتقار تدريجيًّا. كانت هناك مدنٌ كبيرة نسبيًّا مثل تابوسيرز وميناء تينيا ومدينة لوكابسيس الصغيرة عند العلمين، لكنها اندثرت وأصبحت مجرد آثار لا يلتفت إليها إلا القليل من الناس.

والآن أصبح هذا الشاطئ الفقير هو الأكثر عمرانًا في صورة المجموعات العديدة من قرى الاصطياف، برغم خلوه من أشكال الجمال الطبيعي الذي نلحظه في مناطق أخرى كسيدي عبد الرحمن ورأس الحكمة ومرسى مطروح. ولعل هذا الامتلاء بالقرى الاصطيافية قد شجعه عامل القرب المكاني من طريق القاهرة، فالأغلب أن الكثير من رأس المال المستثمر على طول المنطقة هو قاهري المنشأ.

وسبق أن ذكرنا النمو العمراني الدائب في منطقة مطروح من رأس علم الروم إلى شاطئ عجيبة. ولعل محافظة مطروح مسئولة عن تشجيع العمران الاصطيافي بنفس القدر الذي يسعى فيه رأس المال الاستثماري من الهيئات العامة والجمعيات وشركات المقاولات الكبرى إلى الاستفادة من هذا النوع من أنواع التنمية الذي لا يأخذ في الحساب الكثير من تضرر البيئة أمام هذا الزحف من الطوب والأسمنت. ولا ننسى أيضًا أن الكثير من بدو أولاد علي قد اقتربوا كثيرًا من المدينة بمساكنهم التقليدية المبنية بالحجر في سهل رباح الواقع بين خط الحديد والطريق البري شماله وبين حافة هضبة الدفة جنوبه. فهم الآن نصف بدو ونصف حضر، يقتربون من المدينة ولكن لا يذوبون فيها، وأصبح كثير منهم يمارسون أعمالًا من التنمية العمرانية في المدينة ومحيطها الواسع، فضلًا عن ممارسة الكثير من الخدمات التجارية داخل المدينة. وبالتالي فإن تغيرًا بيئيًّا وبشريًّا يحدث أمام أعيننا ولا ندري إن كان هو تغير صحي أو ضار بالبيئة والإنسان معًا. على أية حال فإن مرسى مطروح هي المركز العمراني الكبير غرب الإسكندرية، ويقدم خدمات المدينة لنطاق واسع يمتد من السلوم إلى سيوة، وشرقًا إلى رأس الحكمة والضبعة، والقرى الاصطيافية الحديثة جنوب علم الروم ورأس الحكمة وقرب فوكة، مثل سانتا مونيكا وابن سينا والباغوش ورويال بيتش.

الملاحظة الأخيرة أن الكثير من المستوطنات الساحلية القديمة كانت تتخير أماكن جنوب اللاجونات والبحيرات الساحلية، وأخصهم كانت في منطقتى مرسى مطروح والعلمين باعتبار أن تلك اللاجونات كانت مرافئ طبيعية محمية من عنف البحر. وقد استمرت مطروح خلف بحيرتيها مع الإحاطة بهما شرقًا وغربًا. أما في مارينا فقد أحدثت التنمية تغييرات جوهرية في لاجوناتها الثلاث: فقد وصلت ببعضها وزيد عمقها إلى ما بين مترين وسبعة أمتار، وفتح بوغازين للبحر لتجديد المياه، وللسماح بحرية حركة اليخوت.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة