خالد عزب

إبراهيم دقينش.. شاعر مطوبس ومفجر نهضتها الأدبية

الأحد، 31 مايو 2026 09:07 م


في مدينتي مطوبس، نهضت حركة أدبية مع بدايات القرن العشرين، وظهر مبدعون في الشعر والرواية والقصة. وكان من أعلامها الشاعر العظيم إبراهيم دقينش (1925 – 1996). وقد شهدت هذه الحركة نضجًا كبيرًا في بيت ثقافة مطوبس، الذي أداره آنذاك الأستاذ شريف قاقة في ثمانينيات القرن العشرين، وكان عنوان هذه الحركة نادي أدب مطوبس، الذي كنت أحد المشاركين فيه.

ومؤخرًا أصدر الأستاذ شريف قاقة كتابًا بعنوان «إبراهيم دقينش.. حياته وشعره» تخليدًا لذكرى هذا الشاعر العظيم. ويذكر في الكتاب أن إبراهيم عبد الله دقينش شاعر بالفطرة، وُلد بمدينة مطوبس في السادس والعشرين من سبتمبر 1925، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وحضر مجالس الذكر، واستهوتْه الأناشيد الصوفية، وساهم ذلك في ظهور موهبته، فأخذ ينهل من دواوين الشعر العربي الفصيح لكبار الشعراء أمثال: المتنبي، وشوقي، وعلي محمود طه، وإبراهيم ناجي وغيرهم، بيد أنه تأثر كثيرًا بعلي محمود طه.

نمت هذه الموهبة وترعرعت في ظل رابطة الثقافة بمطوبس في بداية الأربعينيات، التي ضمت بين جنباتها رواد الشعر بمطوبس.

انزوى الشاعر قليلًا بعد أن تفرق أعضاء رابطة الثقافة في البلاد سعيًا وراء الرزق، لكن الموهبة ظلت كامنة لم تمت.

وفي بداية الثمانينيات تم افتتاح بيت ثقافة مطوبس، وتشرفتُ برئاسة شريف قاقة، وبدأ يبحث عن الشعراء والأدباء في كل مكان، فكان الشاعر إبراهيم دقينش أول المبادرين، ويُعد أحد أعمدة الأدب في مطوبس، وذاع صيته في مركز مطوبس والمراكز المجاورة من خلال الأمسيات الشعرية التي كنا نعقدها، ومجلة «صوت مطوبس» التي كنا نصدرها. لكن الشاعر لم يسعَ إلى الشهرة والأضواء، فظل قابعًا في دكان البقالة الذي يملكه، يستقبل الشعراء والأدباء من كل مكان، فيفوزون بنصائحه وتعليقاته على أشعارهم.

وقد تبوأ كثير من تلامذته، الذين هاجروا إلى العواصم الكبرى، مراكز مرموقة على الساحة الأدبية، وذاع صيتهم في جميع المحافل داخل مصر وخارجها. أما الشاعر إبراهيم دقينش فكان يقول إنه يكتب الشعر ليشبع رغبته، ويحقق ذاته، ويرضي أحبابه فقط.

ولما كان الشاعر مبرزًا في كتابة الشعر العمودي، وتتميز قصائده بطول النفس، والرصانة، وبلاغة التعبير، أشرتُ عليه، فوافق على مضض، على الاشتراك في مسابقة المجلس الأعلى للثقافة عام 1985، وفازت إحدى قصائده بأحد المراكز العشرة الأولى على مستوى الجمهورية. ورغم ذلك أبى السفر إلى القاهرة، فلم يحضر الحفل، ولم يتسلم الجائزة.

والحقيقة أن الشاعر كان له فضل كبير في نشر الثقافة والأدب بمركز ومدينة مطوبس وكنت من المقربين إليه ن لم يصدر للشاعر ديوان حتى الآن حتي جمع الأستاذ شريف قاقه أشعاره في هذا الكتاب ومن أشعاره:

الصـــبــاح الجــــديــــــــــــد
سبحانك باسمك يسعى الكل ويحيا الكل
تبارك مجدك يا رحمن سكبت النور على الديجور
فلاحت أضواء الفجر وتهادت انفاس الصبح
وسلسل فيح العطر على الربوات وفجر ينبوع الرحمات
وضمخ أرجاء الكون
وامْتَدَ شَعَاعَ الشَّمْسِ يَهْدِهِمْ أَعْطَافَ الدُّنيا
والتف وشاح الدفء على الأفق وتناغي الطير
ورفرف في الأجواء وهَفْهِفَ يَلتُمُ أَهْدَابَ النور
مرحى للعطر وللظل مرحى للنور الوضاح
سبحانك سبوح سبوح سبحانك قدوس قدوس
مرحى للروض يُنَورُ فِيهِ الزَّهْرُ عَلى الأَغْصَانِ
ويهفو الورد على الأكمام لهيمنة الأنسام
لخفق جناح العُصْفُورِ النَّشَوانِ يُسْقسِقُ لِلصُّبحِ النَّادِي
ويرف على الجدول يستاف الشهد من النبع الساري
ويحط على العشب المُخضَلِ كَلمح الظل
ويَطْفُرُ فوق الدوح يغني للوشي الزاهي
سبحانك سبوح سبوح سبحانك قدوس قدوس
مرحى للساقية المهجورة دبت فيها الروح فراحت
تروي الأرض بريَّاها فاكتست الأَرضُ بِسُندسها
ومن أشعاره أيضا :
موكب النور
هيا نديم الروح في مجلي السمر                  هَاتِ السُّلافَ على تسابيح الوتر
طف بالكؤوس على الندامى وأسقهم              خمر الهُدَى تَجْلُو عن الروح الكدر
وارو العطاش من الأحبة أنهم                     مثلى ألم تر كيف يجمعنا قدر
هم سامروا ليلى ونجي في الهوى                هم أَطْلُعُوا فَجْرى على دنيا البشر
هم نوروا صبحي بإشراق السنا                   فسرى النسيم على الخمائل والشجر
هم رقْرِقُوا فِي النَّبَعِ ذَوبٌ صَبَابَتِي                فجرى الحنين على الروابي والنهر
هم نضروا في الروض أحلام المني               أرأيت كيف الروض أينع بالثمر
هم رنموا في الكون حين سري به                وبدا كدر في الوجود قد انتثر
أوليس يسمو القول حين أصوغه                 في حب من أهوى ويبدو للنظر؟
أنا ذلك الصب المتيم في الهوى                   هل من يلوم الصب؟ كلا لا وزر
يا لائمي في الحب إن غرامه                      ناه على وقد عنوت لما أمر
أنا لست أصغي في هواه لعاذل                    أن المعنى في الهوى لا يزدجر
من ذلك الفرد الذي تهفو له                       روحي إمام الخلق هل يخفى القمر
هو مَنْ شَدوتُ له على شبابتي                    ومدحت كالطير المغرد في السحر
هو نبض قلب دف بين جوانحي                   وشعاع هدى للضمير إذا عثر
ان شاركوني في هَواءُ فَإِنَّمَا                       يبدو له وجدي إذا الوجد استعر
أنا في هوى المختار حين عشقته                 متفرد في العشق وحدي والسهر


ومن أشعاره :
مـطوبس الجـديـــدة
هدى مطوبس مَنْ بِالحُسنِ توجها
                                  ومن بلمح السنا والنور حلاها
وَمَنْ بِنَفْحِ المُنى واليُمنِ نَضِرَها
                                  وَمَنْ سَقاهَا مِنَ الآمَالِ رَيَّاها
وَمَنْ بِفِيضٍ مِنَ الإِشْرَاقِ أَطْلِعَها
                                 عروس إقليمنا والله يرعاها
سوى شباب بها تبدو محـامده
                                كالشمس تسطع في آفاق علياها
كانت تعيش بوادي التيه حائرة
                                يلفها ليلها والصمت يغشاها
تبيــت تعلم بالآمــــال سـاهدة
                               حتى استقرت على آفاق دنياها
طافت عليها ظلال النور فارتعشت
                               دروبها حين ضَاءت في حناياها
وفاض مِنها مَعِينُ الوعي فانبعثت
                              تتلو سطوراً لها في الوعي مغزاها
تتلو سطوراً مِنَ الإِيمانِ خالدة
                               كي تستبين رشاداً في ثناياها
تفهمت روحها واستشرفت قيماً
                               تَجِلُّ فِي هَديها تسمو برؤياها
تلك الصحائف من إلهام نهضتها
                               دعائم المجد في إرساء مبناها
خطوط ماض لها يزهو بحاضرها
                               توثقت بعهود قد رعيناها
مشاعر تستقى من نبع عزتها
                               وتستمد شعورا منه غذاها
لدى الشباب هنا علم وموهبة
                                نَادَى مُطْوِيسُ بِالأخْلاقِ نماها
قد شاد صرح نشَاطٍ مِنْ مَواهِبُهُ
                                 وشق بالوعي أجواء تخطاها
روح الرياضةِ نَمَّــاها بتجربــة
                                 وآية الفن بالإبداع جلاها
راحت مطوبس في إشراق صحوتها
                                تسعى لتدرك حقاً كان أضناها
قام الشباب الذي يرعى مصالحها
                                يبنى احتياجاتِها مِنْ فَيْضِ مَسْعَاهَا
يُعطى ليأخذ إصلاحاً لنهضتها
                               تلك إشتراكية جلت بمعناها
ذاتية الحل في التطبيق ســائدة
                                سر العدالة في تطبيق معناها




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة