متحف العلمين.. ذاكرة الحرب العالمية الثانية على أرض المستقبل

السبت، 30 مايو 2026 05:00 م
متحف العلمين.. ذاكرة الحرب العالمية الثانية على أرض  المستقبل متحف العلمين

أحمد إبراهيم الشريف

يحتل متحف العلمين مكانة خاصة بين المزارات التاريخية في مصر، فهو يقدم تجربة توثيقية وبصرية لواحدة من أهم صفحات الحرب العالمية الثانية، حين تحولت أرض العلمين إلى مسرح لمعركة فاصلة بين قوات الحلفاء وقوات المحور في أكتوبر 1942، ومن هنا تأتي أهمية المتحف.

يقع متحف العلمين عند الكيلو 105 على طريق الإسكندرية – مطروح، جنوب الطريق الساحلي، في موقع قريب من منطقة المعارك والمقابر العسكرية التي تضم رفات جنود من دول مختلفة شاركوا في الحرب، وقد تأسس المتحف في 16 ديسمبر 1965 بقرار من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، تخليدًا للدور الذي ارتبط بمصر في معارك العلمين، وتوثيقًا لواحدة من أهم معارك الحرب العالمية الثانية على أرضها.

ويقدم المتحف تجربة تاريخية تجمع بين الوثيقة والسلاح والخريطة والمجسم، فالقاعات الداخلية تعرض جانبًا من مقتنيات الحرب، وخرائط سير المعارك، وبعض مقتنيات قادة الجيوش، إلى جانب نماذج ومجسمات تساعد الزائر على فهم طبيعة المواجهة العسكرية التي جرت في هذه المنطقة، أما ساحة العرض المكشوف فتضم مجموعة من الأسلحة والمعدات الثقيلة التي استخدمت في المعارك، مثل الدبابات والمدافع والعربات المدرعة والطائرات، بما يمنح الزائر إحساسًا مباشرًا بحجم الحرب وآلاتها.

وتكشف قاعات المتحف عن تعدد أطراف المعركة، إذ يضم قاعات مخصصة لمصر وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، إضافة إلى قاعة مشتركة، وهو تقسيم مهم لأنه يضع الزائر أمام صورة متعددة الزوايا للحرب، فمعركة العلمين جاءت ضمن صراع عالمي على شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ومن ثم تساعد قراءة المتحف على فهم موقع مصر الجغرافي والسياسي في تلك اللحظة التاريخية.

وتبدأ أهمية المتحف من قدرته على تحويل المعركة من خبر تاريخي إلى تجربة بصرية. فالزائر يقرأ عن الدبابات التي تحركت في الصحراء والقوات التي تقدمت وتراجعت، ثم يرى بقايا هذا العالم العسكري في المعدّات، والخرائط، والصور، والمجسمات. ومن خلال هذه العناصر تتحول الصحراء المحيطة بالمتحف إلى فضاء ذاكرة، وتصبح العلمين وثيقة مفتوحة على الحرب ومصائر الجنود والقرارات العسكرية الكبرى.

وفي الذاكرة العالمية، ارتبط اسم العلمين بمعركة أكتوبر 1942 التي شكلت نقطة تحول في حملة شمال أفريقيا. ولهذا يكتسب المتحف أهميته من ارتباطه بموقع المعركة ذاتها، وبقربه من المقابر العسكرية التي تضم جنود الكومنولث، والمقابر الألمانية والإيطالية. هذا القرب الجغرافي بين المتحف والمقابر يخلق مسارًا سياحيًا وثقافيًا متكاملًا، يبدأ من قراءة تاريخ المعركة داخل القاعات، ثم ينتقل إلى صمت المقابر، حيث تتجسد الحرب في أسماء ورفات وشواهد.

ومن هنا يمثل متحف العلمين ذاكرة مصرية ودولية في الوقت نفسه، فالزائر الأجنبي، خاصة من الدول التي شاركت قواتها في الحرب، يجد في المكان صلة مباشرة بتاريخ بلاده، بينما يجد الزائر المصري فرصة لفهم كيف أصبحت أرض مصر جزءًا من صراع عالمي واسع، وهذا ما يجعل المتحف قابلًا لأن يكون مركزًا مهمًا في سياحة الذاكرة، وهي السياحة التي تقوم على زيارة أماكن الحروب والمواقع التاريخية والمقابر والنصب التذكارية.

ومع ظهور العلمين الجديدة، تزداد أهمية السؤال الثقافي حول العلاقة بين المتحف والمدينة كيف يلتقي متحف يحفظ ذاكرة الحرب بمدينة حديثة تمثل واحدة من أبرز تجارب العمران الجديد على ساحل البحر المتوسط؟

تقدم العلمين الجديدة إجابة عمرانية وثقافية مختلفة، فالمدينة التي اختير موقعها للاستفادة من الساحل والموقع المتميز على البحر المتوسط تستهدف تحقيق تنمية متكاملة، وتوفير أساس اقتصادي متنوع، وبناء مركز حضري إقليمي على الساحل الشمالي. وتضم المدينة أنشطة سكنية وسياحية وثقافية وتعليمية وبحثية، إلى جانب الفنادق والخدمات والمناطق الحديثة، بما يجعلها مشروعًا يتجاوز فكرة المصيف التقليدي إلى مدينة تعمل طوال العام.

وهنا تظهر قيمة الربط بين متحف العلمين والعلمين الجديدة. فالمتحف يمنح المدينة عمقًا تاريخيًا، والمدينة تمنح المتحف مجالًا جديدًا للحضور والزيارة والترويج. ففي الماضي كان كثير من زوار الساحل الشمالي يمرون بالعلمين بوصفها محطة على الطريق، أما اليوم فالعلمين الجديدة تصنع مركز جذب عمرانيًا وسياحيًا يمكن أن يعيد توجيه الانتباه إلى المتحف بوصفه جزءًا من هوية المكان.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة