في غمرة الحديث اليومي عن الإصلاح الاقتصادي، وترشيد الإنفاق الحكومي، وإعادة توجيه الموارد نحو قطاعات الإنتاج والتنمية، يغيب عن الأعين ملف "مستتر" ينزف ملايين الجنيهات سنوياً من موازنة الدولة دون طائل. إنه ملف "الكلاب الضالة" في شوارعنا، والذي لم يعد مجرد ظاهرة تؤرق أمان المواطن أو تشوه المظهر الحضاري، بل تحول إلى عبء اقتصادي ضخم وفاتورة صحية باهظة الثمن تدفعها الدولة من قوت برامجها التنموية الأخرى.
عندما ننظر إلى أزمة الكلاب الضالة، يجب ألا نراها بعين العاطفة المجردة أو السطحية، بل بلغة الأرقام والبيانات؛ فالأرقام لا تكذب.
الكلب الضال ليس مجرد حيوان يتحرك في الشارع، بل هو مخزن متنقل للأوبئة والأمراض المشتركة التي تنتقل للإنسان على رأس هذه القائمة يأتي مرض السعار (داء الكلب)، وهو مرض فيروسي قاتل بنسبة 100% بمجرد ظهور الأعراض ولتأمين حياة المواطنين، تلتزم الدولة بتوفير "مصل السعار" مجاناً في جميع المستشفيات الحكومية ووحدات الطوارئ لكل من يتعرض للعقر.
تُشير التقديرات الرسمية في السنوات الأخيرة إلى أن حالات العقر تتجاوز مئات الآلاف سنوياً وتتكلف الدولة مبالغ طائلة لاستيراد هذه الأمصال واللقاحات بالعملة الصعبة، حيث تكلف الجرعات الوقائية الكاملة للشخص الواحد مبالغ ليست بالهينة، وضمن ميزانية سنوية ضخمة تقتطع من مخصصات شراء أدوية الأورام، أو تجهيز غرف الرعايات المركزة، أو تطوير وحدات الحضانات التي يحتاجها الأطفال المبتسرون.
ولا تتوقف الخسائر عند مصل السعار؛ فالكلاب الضالة تُعد الناقل الأساسي لـ الأكياس الأميبية (المائية) والديدان الشريطية التي تصيب الثروة الحيوانية (الماشية والأغنام)، مما يؤدي إلى إعدام أطنان من اللحوم في المجازر سنوياً، وهي خسارة مباشرة للأمن الغذائي والاقتصاد الزراعي ويضاف إلى ذلك تكلفة إشغال الأسِرّة في المستشفيات، وتكلفة غياب العاملين عن إنتاجهم نتيجة الإصابات أو الرعب، وهي خسائر غير مباشرة تُقدر بالملايين.
إن "التخلص من أزمة الكلاب الضالة" عبر إستراتيجية وطنية حاسمة ومستدامة سيعود على خزينة الدولة بوفر مالي فوري ومباشر يمكن ملامسته في عدة نقاط:
1. توفير 100% من ميزانية استيراد لُقاحات وأمصال السعار وتحويل هذه الملايين المرصودة سنوياً بالعملة الصعبة لتمويل مبادرات صحية أخرى ومستلزمات الغسيل الكلوي أو جراحات القلب.
2. حماية الثروة الحيوانية من خلال تقليل الفاقد من اللحوم الحمراء نتيجة الأمراض المشتركة، مما يخفض أسعار اللحوم ويدعم المربين المحليين.
3. توفير نفقات الرعاية الطبية الثانوية من خلال خفض كلفة العمليات الجراحية المعقدة الناتجة عن تشوهات العقر الشرس، والتي تتحملها المستشفيات الجامعية والحكومية.
إننا نتحدث عن توفير مبالغ ضخمة سنوياً، كان يمكن أن تذهب مباشرة لتطوير الوحدات الصحية في الريف، أو رفع كفاءة غرف الطوارئ التي تعمل على مدار الـ 24 ساعة لخدمة الحالات الحرجة الحقيقية.
لقد حان الوقت للتعامل مع ملف الكلاب الضالة باعتباره ملفاً أمنياً واقتصادياً وصحياً عاجلاً. إن كل جنيه يخرج من موازنة الصحة لعلاج عضة كلب كان أولى به أن يبني مدرسة، أو يشتري جهاز أشعة حديثاً، أو ينقذ حياة مريض في غرفة عناية مركزة. السيطرة على الشارع ليس رفاهية، بل هو خطوة واجبة لحماية صحة المواطن، وصون مال الدولة.