بعد مشاهدة فيلم "Michael"،واستمتاعي به لم يتبادر إلى ذهني مجرد الاستمتاع او استرجاع لمسيرة فنان استثنائي فقط . صاحبني سؤال جوهري ظل يتردد في ذهني طوال العرض الذي امتد لساعتين وكأنهم دقيقتين عن تلك القضايا المعلقة التي نعيشها من فترة طويلة انتهت جميعها دون اجابة .! هل يُسمح للقمة أن تظل مأهولة بنجومها للأبد؟ أم أن هناك "سقفاً للنجاح" يُمنع الارتطام به أو تجاوزه؟.
الفيلم يعرض موهبة وعبقرية مايكل جاكسون كقوة كونية لا يمكن لجمها؛ إنسان بقلب طفل تربع على عرش القلوب عالمياً، ومن هنا يبدأ الصدام الحتمي . الفيلم عرض لمحات من حفلاته، كانت كافية لاستحضار حالة الإبهار و اندماج الموسيقى مع الرقص والاضواء مع السطوة الروحية لملك البوب علي محبيه ،وهو تأثير لم يبلغه أحد قبله.
وهنا استوقفني سؤال ! كيف تثار كل هذه الضجة والتشكيك حول وفاة طبيب لمجرد طرحه رؤية غذائية مختلفة، دون أن نري دراسة أو نتيجة سوي مجموعة من القصص لأشخاص تحسنوا وأشخاص ماتوا .وتُنسج حول وفاته فرضيات "الفعل الفاعل" رغم انقسام الآراء حول ما قدم؟ فما بال بشخصية كـ مايكل جاكسون، الأيقونة التي لم ولن يختلف على سطوتها أحد؟ إن الإيمان بأن وفاته كانت "مؤامرة مكتملة الأركان" يبدو منطقياً جداً؛ فالنجومية هنا تتجاوز حدود التأثير الفني لتصبح "سلطة روحية" توحد الشعوب، تبدأ الأنظمة والقوى الخفية في الشعور بالخطر الوجودي.وعندها تزيد فرضية التدبير للنهاية المحتومة .
يتحول "النجاح الأسطوري" الي لعنة تطارد صاحبها ليكون هدف للمؤامرة؛ حيث يُحاك الظلام حول من يعيش في قلب الشمس. هذا المشهد يعيد للأذهان نهايات أساطير وقف العالم أمام رحيلهم عاجزاً عن التفسير. الي الان من مارلين مونرو التي سحقها تداخل الفن بالسياسة، إلى الأميرة ديانا التي تحولت شعبيتها إلى "دولة داخل الدولة"، مما جعل وجودها خروجاً عن سيطرة النظام.
فيلم مايكل أعاد فتح الجروح التي لم تندمل. وطرح الأسئلة التي واراها النسيان للنهايات "المباغتة" التي ترفضها البديهه ويجافيها المنطق .كيف لأسطورة بهذا الثقل العالمي، وبكل هذا الحشد من المحبين، أن ينطفئ في لحظة غامضة؟ بالرغم ان الفيلم انتهي ومايكل في قمة مجده . الا أنه أنعش ذاكره التفاصيل الغامضة لموته والجنازة الوهميه التي أقاموها له دون ذكر حتي مكان دفنه . كانت كلها روايات رسمية هشة، تماماً كما حدث في ملفات جون كينيدي، حيث تُغلق القضايا ضد مجهول أو بصياغات باهتة، ليبقى السؤال معلقاً في الفراغ، وتظل الحقيقة مدفونة تحت ركام الخديعة.ولا يبقي لمحبيه سوي الشحن النبيل ومحاولة اجتهاد هزيلة لاتستطيع ان تقف في وجه "ماكينة التحطيم".
ما يتركه الفيلم في وجداننا هو شعور مؤكد بالمؤامرة ليس ولعاً بالخيال، بل لأن المقدمات العظيمة لا تؤدي عقلياً إلى تلك النتائج الهزيلة. أن الإيمان بأن مايكل ذهب ضحية لنظام لم يحتمل استقلاليته أو نفوذه الشعبي الجارف، هو التفسير الوحيد الذي يريح الفؤاد أمام عالم مليء بالثقوب السوداء والجرائم التي تمر دون عقاب ودون معرفة الجاني.
لقد نجح الفيلم في جعلنا نعيش سحر حفلاته وتتمايل القاعة علي سحر صوته ، وفي الوقت ذاته، مرارة الشعور بأننا نعيش في عالم يغتال الجمال حين يعجز عن احتوائه. ستظل أسطورة مايكل جاكسون حية، ليس فقط بموسيقاه، بل بكونه الشاهد الأكبر على أن النجاح الساحق . و الشاهد الوحيد علي من اغتاله .
وسؤال اخر هل سيأتي يوم يستطيع "الجمهور" حماية أساطيره. والمطالبة بحقوق فتح ملفات قديمة والقصاص لهم ؟ فبالرغم من مئات الملايين الذين ملأوا الأرض ضجيجاً وحباً لمايكل إلا أنهم في لحظات الحسم التاريخية تحولوا إلى "مشاهدين" صامتين لعملية السقوط. أن الأنظمة، بأدواتها الإعلامية والقانونية، تمتلك دائماً اليد العليا في صياغة "المشهد الأخير"، بينما يكتفي الجمهور بترديد الألحان والبكاء في صمت . والاستسلام لماكينه الانظمة الغاشمة .