لا عاقل كان يتصوّر أن ينهار نظام إيران بضربة من السماء، ولا أن تُفضى الحرب الأمريكية الإسرائيلية لتقويض النظام الدينى العتيد.
الأغبياء وحدهم يُمكن أن يرتاحوا لوهمٍ حمله نتنياهو إلى واشنطن فى فبراير، وباعه بثمن باهظ لسيد البيت الأبيض، المُتفاخر بأنه لا يُضاهَى فى إبرام الصفقات.
انتهت الحرب بعد ما يزيد قليلاً على شهرين، انقضى ثلثاها قتالا والثُلث مع صمت اضطرارى من الطرفين. والدرس الأول؛ إشعار بحدود القوّة، وإرغام على التعايش الصعب.
لا ربحت الولايات المُتحدة، ولا هُزِمَت إيران؛ وكلتاهما خاسرة. وقد تختلف الأنصبة باختلاف الأوزان؛ غير أن المُفاضلة فى النزف من آية السخف وانعدام العقل.
اضطُرّت الإدارة لإبلاغ الكونجرس بإسدال الستار على عملية "الغضب الملحمى"، والباعث الأول ليس رفض النواب واستحالة التفويض؛ إنما انطفاء حماسة قارع الطبل، وتحوّل مشاعره عن الافتتان بالقتال.
ولو أنه على إصراره السابق؛ ما تعثّر إزاء قيود "صلاحيات الحرب" أو غيرها. ويبقى قادرًا على قفز الجدار مُجدّدًا، واختراع التجربة بالحماسة ذاتها، كأنها أوّل مرّة.
كتبتُ بعد أيامٍ من الرصاصة الأولى، أن المعركة تفجّرت من الذروة/ الإغارة الشاملة وتحييد أعلى رأس فى الجمهورية الإسلامية، ولن تمضى لأبعد ممّا هى عليه.
وكرّرت تاليًا أنها انتهت فى مُبتداها، أى مهما استمرّت لن تتطوّر، كما لن تُغيّر التوازنات القائمة معها وقبلها، أو تحسم الصراع الموروث والمُتجدّد؛ وإن لعبت قليلاً فى الجيوسياسة وحساباتها.
اقتنع الرئيس الأمريكى مُتأخرًا بعدم جدوى الرقص على حافة الهاوية، وبأن أسلافه السبعة الذين أظهروا قدرا من الرخاوة مع الملالى، ما كانوا ضعفاء أو عاجزين، بقدر ما عرفوا واقتنعوا بكُلفة المُغامرة.
ينحاز اليوم للتطويق الناعم، والخنق بالحصار البحرى وتشديد العقوبات، باعتبارها آلية أقل كُلفة عليه، وأعلى على الأعداء، وتحرمهم من سردية الصمود وتعبئة جبهتهم الداخلية.
وهنا تتجلّى الخديعة الأولى؛ إذ لا صحّة لإطفاء النار طالما يستمر الحصار، وهو من أعمال الحرب وفق القانون الدولى.
فضلا على أنه نشأ بالأساس عن جولة القتال الأخيرة، جزءًا أصيلاً منها ومُتمّمًا لها، ولا تهدئة إلا بتسليك الشرايين البحرية، بالتراضى وبلا تسويات "فوق قانونية" أو دون طبيعية.
بعث الرجل مكاتيبه للكابيتول، وبالتزامن كان يُصرّح بأنه لن ينسحب من المواجهة مُبكّرًا؛ ليترك المُشكلة تتجدّد بعد ثلاث سنوات، أى نهاية ولايته.
وكأنه ينتدب نفسه لتصحيح خطايا التاريخ، وإنهاء الأزمة من جذورها، وتثبيت قواعد سيسير عليها ورثته؛ حال لم يترشّح لولاية ثالثة طبعًا!
وفى كل الأحوال؛ يظل مُعتصمًا بنظرية "الرجل المجنون"، ومُحافظًا على صورته المقصودة، باعتباره خارج أُفق التوقّع، جاهزًا لكل الاحتمالات، ومُستعدًّا لإدهاش الجميع. حتى لو اضطُرّ لتجديد القصف!
والخلاصة؛ أن التوقّف مُناورة سياسية قانونية، وخطوة تفرضها الضرورة لاعتبارات شتّى، أبرزها الالتفاف على رفض المُشرّعين، وتقليص أثر الصراع على الانتخابات النصفية.
والأهم؛ أنه يُصفّر العدّاد، فلا تعود الستون يومًا قيدًا، وهذا ما ردّده وزير دفاعه هيجسيث فى جلسة الاستماع، قائلاً بصريح العبارة: "المُهلة انتهت بالهُدنة".
كانت خيارات الرئيس اثنين: طلب التفويض، أو التمديد ثلاثين يومًا مشمولة بتقليص العمليات مع بدء الانسحاب.
وصارت ثلاثًا: مواصلة القتال بوتيرة منخفضة وغير مُسلّحة ظاهرًا، أو إطلاق عملية بأهداف مُحدّثة، أو إعادة تسمية عمليته بكامل عناصرها دون تغيير!
الحصار عمل حربى؛ لا طوق ورود. ولدى الأمريكيين أجدى وأقل ضغطًا فى المال والسياسة والقانون. إذ التكلفة زهيدة ومُحمّلة على ميزانية الانتشار المُعتاد، وليس له أثر الاقتتال على الناخبين، ويتعذّر على الكونجرس تقويضه أو ردع الإدارة عنه.
وإلى ذلك؛ ففيه صورة الاقتدار والهيمنة، تعبير رخيص عن القوّة واليد العُليا، مع العزل المالى وخنق موارد إيران، وفتح أبواب الفوضى عليها من الداخل، بدل فتحها على المنطقة كلها بالتصعيد.
ضجّت المنصات الأمريكية بالتقارير، رويترز تتحدث عن دراسة الاستخبارات لردّ فعل إيران على إعلان نصر أحادى، أكسيوس يُبشّر بضربات موضعية مُكثفة لإنهاء جمود المفاوضات، وول ستريت جورنال تنقل تعليمات عن الاستعداد لحصار مُطوّل.
والكلام على ما فيه من تناقض؛ فإنه من مشكاة واحدة. ترامب نادم على الحرب؛ ولو أنكر. ساعٍ لمُغادرتها بأقل ضرر، وعينه على تحقيق مُكتسبات تُبرر خوضَها من الأساس.
ما تزال فكرة الضربات قائمة، وسيمتدّ الحصار لحين التوصّل إلى تفاهمات، وهو مُكلّف للمُحاصِر والمُحاصَر معًا، وفى النهاية لا سبيل للحسم أو الوفاق الكاملين، والمآل غالبا إلى الجمود.
وأميلُ شخصيا إلى أنه لا مزيد من الصدام؛ ولو اضطُرّ أحد الطرفين أو كلاهما لضربةٍ هُنا أو هناك. يسهل اصطناع الحروب من عدم، أو من توتر خفيض؛ إنما قد يصعب استنهاض جولة قتالية بعدما تنطفئ بالخمول أو اليأس أو تعادُل القوى.
المزاجيون سريعو الانفعال تجاه الأشياء، وسريعو التحوّل عنها. وترامب فقَدَ شغفَه بالحرب، وصقور الحرس وحمائم المُرشدية الإيرانية أيضًا.
ولهذا؛ يصح الجزم بانقضاء فاصل سخيف خشن؛ ولكن مع الاستعداد لِمَا لا يقل صعوبة!
إسرائيل تراقب بتوجُّس ومكر، وترامب طامع، والإيرانيون سيسعون لتثبيت المُعادلات أو تعويض الفواقد، وفضلا على وصفة التأجيج المكتومة؛ فالخطر عليهم فى التهدئة أصعب من الحرب.
يتحرّر الشارع من التخوين والمزايدة بالوطنية، ويُعاين نتائج الخفّة والنزق، فيما تنعدم أوراق النظام وقدرته على المُراوغة وشراء الوقت؛ حتى مع امتلاك بدائل عبر سبع دول مُحاذية، وشواطئ بديلة على بحر قزوين.
القادم أسوأ؛ وإن بصخبٍ أقل. تحرّكت الصفائح التكتونية، وما تزال، والمنطقة بصدد تغيّرات كُبرى، بعضها مادىّ، وأغلبها فى الاقتصاد والتحالفات وموازين القوى.
كان بروز الملالى وثورتهم إيذانا بصيغة إقليمية مُغايرة، ولن يقل الأثر فى ضعفهم أو تداعيهم.
لا مناص من استيفاء الحقوق، وجناياتهم على الإقليم مخبوءة تحت عمائمهم، وما تتعذّر منها على الإطاحة عن رأس صاحبها من الخارج، سيُسقطها الزمن على روزنامة الداخل!