أثار إعلان الولايات المتحدة سحب جزء من قواتها في ألمانيا موجة واسعة من ردود الفعل داخل أوروبا، حيث اعتبرته بعض العواصم تحولًا استراتيجيًا مقلقًا، بينما رأت فيه أطراف أخرى فرصة لإعادة تعريف الدور الأوروبي في منظومة الأمن والدفاع.
ردود أفعال حذرة وتسريع تعزيز القدرات الدفاعية
في ألمانيا، التي تستضيف أكبر وجود عسكري أمريكي في أوروبا، جاءت ردود الفعل حذرة لكنها تحمل قلقًا واضحًا. فقد اعتبر مسؤولون أن الخطوة تمثل إشارة إلى تراجع الالتزام الأمريكي طويل الأمد بأمن القارة، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا. وفي المقابل، شددت برلين على ضرورة تسريع خطط تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، معتبرة أن الاعتماد المفرط على واشنطن لم يعد خيارًا آمنًا.
أما في فرنسا، فقد أعاد القرار إحياء الطموحات القديمة بشأن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي ، إذ يرى صناع القرار في باريس أن اللحظة الحالية تمثل فرصة تاريخية لتعزيز مشروع الدفاع الأوروبي المشترك، بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية، وهو طرح يتماشى مع رؤية الرئيس الفرنسي لتعزيز سيادة أوروبا العسكرية.
تقليص الوجود الأمريكي يضعف قدرة الردع
في دول شرق أوروبا، خاصة بولندا ودول البلطيق، كانت ردود الفعل أكثر قلقًا. فهذه الدول تعتمد بشكل كبير على المظلة الأمنية الأمريكية في مواجهة روسيا، وترى أن أي تقليص في الوجود العسكري الأمريكي قد يضعف قدرة الردع، ويزيد من المخاطر الأمنية في المنطقة. لذلك، دعت هذه الدول إلى ضمانات إضافية من واشنطن، أو على الأقل تعزيز الوجود العسكري داخل إطار الناتو.
أما إيطاليا وإسبانيا، فقد تعاملتا مع القرار بحذر سياسي، خاصة في ظل تلميحات أمريكية بإمكانية توسيع الانسحاب ليشمل أراضيهما. وهو ما يفتح الباب أمام توتر دبلوماسي قد يؤثر على تماسك التحالف الغربي.
وقالت المتحدثة باسم الحلف أليسون هارت - عبر حسابها على منصة "إكس" "نعمل مع الولايات المتحدة للاستيضاح بشأن تفاصيل قرارها بشأن الانتشار العسكري في ألمانيا".
وأضافت أن "هذا الاستيضاح يؤكد ضرورة أن تواصل أوروبا الاستثمار في شكل أكبر في الدفاع، وتحمل قدر أكبر من المسؤولية في أمننا المشترك".
في ضوء هذه المواقف المتباينة، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الأمن الأوروبي:
أولًا، سيناريو الاستقلال الدفاعي، حيث تتجه أوروبا إلى تسريع بناء قدراتها العسكرية الذاتية، من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز الصناعات العسكرية، وتطوير آليات تنسيق أمني مشترك. هذا السيناريو قد يؤدي إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، لكنه يتطلب توافقًا سياسيًا وتمويلًا ضخمًا.
ثانيًا، سيناريو إعادة التوازن داخل الناتو، حيث تسعى الدول الأوروبية إلى الحفاظ على الشراكة مع واشنطن، مع توزيع الأعباء بشكل أكثر توازنًا. في هذا الإطار، قد يتم تعويض الانسحاب الأمريكي عبر تعزيز مساهمات الدول الأوروبية داخل الحلف.
ثالثًا، سيناريو الانقسام الأوروبى، وهو الأكثر خطورة، حيث قد تؤدي الاختلافات في تقييم التهديدات إلى انقسام داخل أوروبا بين دول تدعو للاستقلال الدفاعي، وأخرى تتمسك بالتحالف مع الولايات المتحدة. هذا السيناريو قد يضعف من قدرة أوروبا على اتخاذ موقف موحد في القضايا الأمنية.
رابعًا، سيناريو التصعيد مع روسيا، حيث قد يُفسر تقليص الوجود الأمريكي على أنه إشارة ضعف، ما قد يشجع موسكو على اتخاذ خطوات أكثر جرأة في محيطها الجغرافي، وهو ما يزيد من احتمالات التوتر العسكري.
في النهاية، يرى الخبراء أن هذا التطور يعكس لحظة مفصلية في تاريخ الأمن الأوروبي، حيث تجد القارة نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التحرك بشكل مستقل. وبين القلق من الفراغ الأمني، والطموح لبناء قوة دفاعية أوروبية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح أوروبا في تحويل الأزمة إلى فرصة، أم أن الانقسامات ستُعمّق هشاشة المشهد الأمني؟