حسام الدين علام

القانون وبناء السلام: الدبلوماسية المصرية الرشيدة طريقٌ إلى الاستقرار

الجمعة، 29 مايو 2026 01:20 ص


في عالم تتشابك فيه الأزمات، تتأكد قيمة القانون بوصفه لغةً عاقلةً تحفظ الحد الأدنى من النظام، وتمنع الخلاف من أن يتحول إلى فوضى، وتمنح السلام أساسًا أمتن من مجرد توقف مؤقت للعنف. فبناء السلام لا يقوم على النوايا الطيبة وحدها، ولا يكتمل بمجرد إسكات السلاح، وإنما يحتاج إلى قواعد، ومؤسسات، وضمانات، وممرات للحوار، واحترام للكرامة الإنسانية، وقدرة دائمة على تحويل الخصومة إلى التزام، والتوتر إلى تفاوض، والأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة.

والمقصود ببناء السلام هو العمل المنظم الذي يهدف إلى منع عودة النزاع، ومعالجة أسبابه العميقة، وترميم الثقة، ودعم المؤسسات، وحماية الحقوق، وتهيئة بيئة تسمح للناس بأن ينتقلوا من الخوف إلى الأمان، ومن منطق الغلبة إلى منطق القانون. وبهذا المعنى، فإن بناء السلام أوسع من وقف إطلاق النار، وأعمق من إدارة الأزمة، وأطول أثرًا من التهدئة المؤقتة. إنه مسار يربط بين القانون والدبلوماسية والتنمية والعدالة والمؤسسات، حتى لا يبقى السلام هشًا ينتظر أول اختبار ليسقط.

الأساس القانوني للدبلوماسية وبناء السلام

يبدأ الفهم القانوني لهذا الموضوع من الدستور المصري، الذي يضع الدولة المصرية داخل دوائرها الحضارية والإقليمية والدولية على نحو واضح. فالمادة (1) تنص على أن: "جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شيء منها، نظامها جمهورى ديمقراطى، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون. الشعب المصرى جزء من الأمة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها، ومصر جزء من العالم الإسلامى، تنتمى إلى القارة الإفريقية، وتعتز بامتدادها الآسيوى، وتسهم فى بناء الحضارة الإنسانية." وهذا النص يضيء جوهر الدور المصري؛ فمصر تتحرك من موقع يجمع بين السيادة الوطنية والانتماء العربي والإفريقي والمتوسطي والإنساني، بما يجعل الاستقرار الإقليمي جزءًا من رؤية أوسع للأمن والتنمية والسلام.

وتنص المادة (93) على أن: "تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التى تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا للأوضاع المقررة." وهذا النص يربط بين النظام الدستوري الوطني وبين الالتزامات الدولية، ويؤكد أن احترام الإنسان وحقوقه يمثل ركيزة أساسية في أي تصور جاد للسلام. فالسلام الذي يهمل الإنسان يبقى ناقصًا، والسلام الذي لا يستند إلى التزامات قانونية يبقى معرضًا للاضطراب.

وعلى المستوى الدولي، يقرر ميثاق الأمم المتحدة في المادة (2) فقرة (3) أن: "يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر." كما تنص المادة (33) فقرة (1) على أن: "يجب على أطراف أى نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذى بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجأوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التى يقع عليها اختيارها." هذه القواعد تمنح بناء السلام أساسًا قانونيًا راسخًا: فالدبلوماسية ليست مجاملة سياسية، بل طريق أصيل يقرره القانون الدولي لمنع التصعيد وحماية السلم والأمن والعدل.

بناء السلام أعمق من وقف النزاع

وقف العنف خطوة إنسانية عاجلة، لكنه لا يكفي وحده لبناء سلام مستقر. فقد تصمت الأسلحة بينما تبقى أسباب النزاع قائمة: خوف، وتهجير، وفقدان ثقة، ومظالم، ومحتجزون، ومفقودون، واحتياجات إنسانية، ومؤسسات تحتاج إلى ترميم. لذلك فإن بناء السلام يبدأ من اللحظة التي يدرك فيها الجميع أن انتهاء المواجهة المسلحة يجب أن يتحول إلى عملية قانونية وسياسية ومجتمعية أشمل، تعالج الجذور لا الأعراض.

ومن هنا تظهر أهمية القانون. فالقانون يعطي السلام لغة الالتزام بدل لغة الوعود العامة. ويضع إطارًا للحقوق والواجبات بدل الاكتفاء بالترتيبات المؤقتة. ويمنح المجتمعات الخارجة من النزاع فرصة للانتقال من الخوف إلى الطمأنينة، لأن الناس لا يثقون في السلام بمجرد الإعلان عنه، بل عندما يشعرون أن القانون سيحميهم في اليوم التالي للنزاع، وأن المؤسسات ستعمل، وأن الحقوق لن تُترك لموازين القوة.

والسلام المستدام يحتاج إلى ثلاثة عناصر متكاملة. أولها الأمن، بمعنى أن تتوقف دائرة العنف وأن يشعر المدنيون بالأمان. وثانيها العدالة، بمعنى أن تُحترم الحقوق وأن تُعالج المظالم بوسائل قانونية ومؤسسية. وثالثها الثقة، وهي أصعب العناصر وأطولها زمنًا؛ لأن المجتمعات التي رأت العنف تحتاج إلى إشارات عملية متكررة بأن المستقبل لن يكون تكرارًا للماضي. وهنا يصبح القانون جسرًا بين الذاكرة المؤلمة والمستقبل الممكن.

القانون الدولي الإنساني يحمي الضحايا ويحفظ طريق المصالحة

يحتل القانون الدولي الإنساني مكانة خاصة في بناء السلام، لأنه يعمل في أشد لحظات النزاع قسوة. فهو لا يكتفي بتقرير مبادئ عامة عن الإنسانية، بل يضع قواعد محددة لحماية المدنيين، والجرحى، والمرضى، والأسرى، والمحتجزين، والطواقم الطبية، والعاملين الإنسانيين. ويقوم على مبادئ أساسية، في مقدمتها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب في استخدام القوة، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين.

وتظهر الصلة بين القانون الدولي الإنساني وبناء السلام في حقيقة بسيطة: طريقة إدارة الحرب تؤثر في فرص السلام بعدها. فكلما احترمت أطراف النزاع المدنيين، والمستشفيات، والمساعدات الإنسانية، والأسرى، والجرحى، بقيت مساحة من الثقة يمكن البناء عليها لاحقًا. وكلما اتسعت الانتهاكات، تراكمت الكراهية، واشتدت الرغبة في الانتقام، وأصبح طريق المصالحة أطول وأكثر هشاشة.

لذلك فإن احترام القانون الدولي الإنساني ليس واجبًا إنسانيًا أثناء النزاع فحسب، بل هو استثمار في إمكانية السلام بعد النزاع. فالمعاملة الإنسانية للمحتجزين تحفظ بابًا للتبادل والتفاهم. وحماية المدنيين تمنع تحول الألم إلى ذاكرة جمعية يصعب تجاوزها. والسماح بوصول المساعدات الإنسانية يحفظ حدًا أدنى من الثقة في أن الحياة لا تزال مقدمة على الخصومة. وحماية الطواقم الطبية والعاملين الإنسانيين تؤكد أن الإنسان يبقى محل حماية حتى عندما تشتد الأزمة.

الدبلوماسية المصرية الرشيدة وصناعة الاستقرار

تستند الدبلوماسية المصرية في محيطها الإقليمي إلى رصيد تاريخي وجغرافي وقانوني يجعلها أكثر من مجرد تفاعل مع الأزمات. فالدولة المصرية تقع في قلب دوائر عربية وإفريقية ومتوسطية ودولية شديدة الحساسية، ويجعلها هذا الموقع طرفًا معنيًا بالاستقرار لا مراقبًا بعيدًا عنه. ومن ثم فإن إدارة الأزمات في الإقليم ليست شأنًا خارجيًا مجردًا، بل ترتبط بأمن المنطقة، وبحماية الشعوب، وبمنع اتساع دوائر الفوضى والتطرف والهجرة القسرية والمعاناة الإنسانية.

وتقوم الدبلوماسية الرشيدة على عدد من الثوابت: احترام سيادة الدول، والحفاظ على وحدة أراضيها، ورفض التدخلات التي تزيد الأزمات تعقيدًا، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، وتشجيع الحلول السياسية، والدفع نحو التهدئة، وفتح قنوات الحوار، وتيسير الجهود الإنسانية كلما اقتضت الحاجة. هذه الثوابت تنسجم مع قواعد القانون الدولي، وتعبّر في الوقت نفسه عن إدراك عملي لطبيعة أزمات الإقليم؛ فالنزاعات المعقدة لا تُحل بمنطق الغلبة وحده، وإنما تحتاج إلى صبر سياسي، وحوار مستمر، ورؤية تحفظ الحقوق وتمنع انهيار المؤسسات.

وتبرز أهمية الدور المصري في قدرته على الجمع بين اللغة القانونية والقراءة الواقعية. فالدبلوماسية التي تضع القانون في قلب التحرك السياسي لا تنظر إلى السلام كترتيب مؤقت، بل كمسار يحتاج إلى احترام الالتزامات، وحماية المدنيين، وفتح المجال أمام المساعدات، ودعم الحلول السياسية التي تمنع عودة النزاع. ومن هنا يصبح القرب الجغرافي من الأزمات مسؤوليةً لا عبئًا، وفرصةً لتخفيف التوتر لا سببًا لمزيد من التصعيد.

الوعي القانوني العام بوصفه ثقافة سلام

لا تصنع الاتفاقات وحدها ثقافة السلام. فالمجتمع يحتاج إلى وعي عام يفهم معنى القانون الدولي، ويدرك قيمة المصطلحات الدقيقة، ويميز بين التحليل القانوني والانفعال السياسي، وبين حماية المدنيين وتوظيف المعاناة، وبين التهدئة المؤقتة وبناء السلام المستدام. وكلما اتسع هذا الوعي بين الجمهور، والإعلاميين، والشباب، وصناع المحتوى، أصبح المجتمع أكثر قدرة على مقاومة التضليل والتحريض والخطابات التي تدفع نحو الكراهية.

فالوعي القانوني يساعد الناس على فهم معنى السيادة، وعدم التدخل، والتسوية السلمية، ووقف إطلاق النار، والمساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، واحترام الأسرى والمحتجزين. كما يساعد الإعلام على استخدام المصطلحات بدقة، فلا تختلط المفاهيم، ولا تتحول المأساة إلى مجرد مادة للانفعال، ولا يتراجع التحليل الرصين أمام الشعارات السريعة. أما الشباب، فهم في حاجة خاصة إلى هذه المعرفة، لأنهم سيكونون محامين ودبلوماسيين وإعلاميين وباحثين وصناع قرار ومواطنين يشكلون وعي المستقبل.

ومن المهم أن تبقى رسالة القانون الدولي واضحة: انتهاك القانون لا يعني سقوط قيمته. فوجود الجريمة لا يبطل قيمة القانون الجنائي، ووقوع الانتهاك لا يلغي الحاجة إلى القانون الدولي. المشكلة تكمن في فجوة الامتثال والإنفاذ والإرادة السياسية، لا في غياب القاعدة. ومن ثم فإن الرد الصحيح على الانتهاكات هو تعليم القانون، وتأكيد احترامه، وتقوية أدوات تطبيقه، وتوسيع الوعي به، لا الانصراف عنه أو إعلان اليأس منه.

في النهاية، لا يكون السلام قويًا لأنه يوقف صوت السلاح فقط، بل لأنه يعيد القانون إلى موقعه الطبيعي: لغة مشتركة بين الخصوم، وضمانة للضحايا، وجسرًا لبناء الثقة بعد الانقسام. وفي منطقة تعيش أزمات ممتدة، تبدو الحاجة إلى هذا المعنى أكثر إلحاحًا: قانون يحمي، ودبلوماسية تهدئ، ومؤسسات تبني، ووعي عام يرفض الفوضى، ودولة تدرك أن الاستقرار لا تصنعه القوة وحدها، بل تصنعه الحكمة، والالتزام، واحترام الإنسان، والعودة الدائمة إلى قواعد القانون.

إن بناء السلام في جوهره ليس حدثًا عابرًا، بل ثقافة وممارسة ومسؤولية. وكلما بقي القانون حاضرًا في إدارة الأزمات، وكلما ظلت الدبلوماسية الرشيدة قادرة على فتح قنوات الحوار، وكلما اتسع الوعي العام بقيمة التسوية السلمية وحماية الإنسان، اقتربت المجتمعات من سلام أكثر رسوخًا. فالسلام الذي تحرسه القواعد، وتدعمه المؤسسات، وتغذيه الدبلوماسية، وتفهمه الشعوب، هو السلام الأقدر على البقاء.

______

* مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام وعضو الجمعية المصرية للقانون الدولي




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة