لم يعد الحج مقتصرًا على أهل الجزيرة العربية منذ ما يزيد على قرن ونصف، فمع كثرة الفتوحات وانتشار الإسلام في بلاد الشام، ومصر، والعراق، وفارس، وأفريقية، والأندلس، زاد توافد المسلمين على تلك البقاع الطاهرة، لأداء فريضة الحج، وزيارة مدينة النبي -صلى الله عليه وسلم- وروضته الشريفة، لكن الحجاج كانوا يواجهون صعوبات في السفر إلى مكة والمدينة لأداء فريضة الحج، بسبب طول المسافة، كما أنهم كانوا يسافرون على الدواب برًّا، أو السفن والمراكب بحرًا.
ومع تقدم السنوات، وانتشار الكتابة والتدوين، لجأ بعض الرحالة والمؤرخين في توثيق رحلاتهم على طريق الحج، فيصفون محاسن المدن التي يمرون عليها، والمشاهد التي زاروها، والعلماء الذين التقوا بهم أو سمعوا عنهم ولم يتمكنوا من لقياهم۔۔ وكان من أبرز الذين وثقوا الرحلات على طريق الحج، ابن جبير الأندلسي، وابن بطوطة الطنجي، ولكل منهما طريقه الذي سلكه للحج، كما كان لكل منهما أسلوبه في توثيق رحلته.
رحلة ابن جبير
وصف ابن جبير رحلته إلى الحجاز في كتاب بعنوان "تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار"، وقد بدأ بكتابة أوراقه في ال30 من شوال عام 578، وهي السنة التي سافر فيها من الأندلس إلى الحجاز، وقد ركب البحر في بداية شهر شوال، ووصل الإسكندرية في بداية شهر ذي القعدة، بسبب العواصف التي واجهوها في البحر، وكان دخوله الإسكندرية في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي.
وقد وصف ابن جبير بعض مشاهده في الإسكندرية والقاهرة، والصعيد، لكنه لم يستفض في وصف المشاهد والناس، لأنه كان مرتبطًا بالقوافل التي يتبعها، فكان طريقه مختصرًا.
وقد سلك ابن جبير طريق الحج من الصعيد على طريق جدة، وقد وصف ابن جبير سلبيات متعددة واجهها مع أصحابه في الطريق إلى الحج، كأخذ الزكاة من الحجاج دون التحري إن كان ما يملكونه قد حال عليه الحول أم لا، وهذا ما حدث في الإسكندرية وقوص، كما حكى عن الاحتيال الذي كان يعاني منه الحجاج على طريق عيذاب، واستفاض في ذكر مساوئ بعض الأمراء الموازين لطريق الحج.

رحلة ابن جبير
رحلة ابن بطوطة
وصف ابن بطوطة رحلته في كتاب بعنوان "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، والذي أملاه على تلميذه ابن جزي الكلبي، الذي عني بتوثيق رحلات أستاذه، وأضاف عليها ما يعرفه من أشعار ومعانٍ وصفات لبعض المدن.
يحكي ابن بطوطة أنه سافر من طنجة في المغرب متجهًا إلى مصر، في الثاني من شهر رجب عام 725 للهجرة، وكان وقتها قد بلغ ال22 من عمره، وقد سافر في تلك الطريق منفردًا بلا صحبة، إلا أنه كان يتخير العلماء والتجار المسافرين إلى الحج فيصحبهم ويسير على أثرهم، وحكى أنه أصيب بالحمى مرة أو مرتين في طريق سفره من طنجة إلى تونس، ورغم سفره من طنجة في بداية شهر رجب من عام 725، لكنه وصل الإسكندرية بعد 10 أشهر، إذ وصل في الأول من جمادى الأولى عام 726 للهجرة، وكان هذا في عهد الملك الناصر أبي الفتح محمد بن قلاوون، وأقام في مصر فترة زار مدنها، والتقى بالصالحين فيها، وكان ينوي الذهاب للحج متخذًا طريق الصعيد إلى جدة، لكنه لم يتمكن من سلك هذا الطريق، بسبب حرب نشبت بين سلطان البجاة والأتراك، فعاد إلى القاهرة، وسلك طريق العقبة للحج، ووصف في رحلته المناطق والمشاهد التي زارها، كقبر الخليل إبراهيم -عليه السلام-، وقبور بعض الأنبياء، والصحابة، والصالحين، والخلفاء، وقد وصل دمشق في ال9 من رمضان عام 726، وفيها حصل على إجازة صحيح البخاري، ثم سافر من دمشق إلى مكة على طريق العقبة، في صحبة الركب الحجازي الخارج من الشام، وقد وصف الأهوال التي يواجهها الحجاج بدءًا من تبوك، إذ يواجهون الوديان القحلة كوادي الأخيضر، وينتهي شقاء الحجاج في قرية العلا القريبة من حجر ثمود.
كما وصف المدينة المنورة ومشاهدها كمقبرة البقيع، ودور صحابة النبي والتابعين، ووصف المسجد النبوي ومسجد قباء، ولم يغفل ابن بطوطة عن عادته في تعريف الناس بفضلاء المدينة وعلمائها، ثم وصف مكة المكرمة، ومسجدها الحرام وأبوابه، والكعبة الشريفة وما حولها من مشاهد كمقام إبراهيم وحجر إسماعيل -عليهما السلام-، والحجر الأسود.
وبحكم إقامته لفترة في مكة، فقد تمكن من وصف عاداتهم في استقبال الشهور الهجرية، وعاداتهم في خطبة الجمعة، وعاداتهم في شهر رجب والأعياد ـ كما ذكر مناسك الحج وكيفية أدائها، وأماكن الميقات۔۔ لكنه أكمل طريقه في الترحال، فسلك طريق العراق، ومنها إلى فارس والهند.
ومن الملاحظ أن ابن بطوطة ركز في كتابه على محاسن المدن التي زارها، واستفاض في وصفها، وزاد في مدح أهل مكة والمدينة وأمرائهم.

رحلة ابن بطوطة