تعكّر الماء تماما بين واشنطن وطهران، وهو آسن لا يجرى. الثقة مفقودة، واحتمالات الفشل أضعاف النجاح، وتتقدم عليها بفارق كبير.
وإرخاء حبل الوقت إذ يدل على ارتفاع السقف ورغبة المماطلة؛ ففيه إشارة قوية إلى التشبُّع من العنف والانصراف عنه؛ ما يجعل العلامة نفسها قابلة للتأويل على الضدين: التشاؤم والتفاؤل معا؛ وإن كان الأخير أرجح!
تبدّلت الأحوال عما كانت عليه، واختلفت طبيعة المواجهة عن أية لحظة سابقة.
العداء أعمق من الثأر القديم لرهائن السفارة، ويصفو تماما من رغبة استخدام الثورة الإسلامية سياسيا، وتوظيف أصوليتها الجامدة فى نزاعات الحرب الباردة والتصدى للمد الشيوعى.
ترامب فى ولايته الثانية غير الأولى من كل وجهٍ، وإيران أيضا انقلبت رأسا على عقب، وربما صارت أضعف فى المضمون؛ لكنها أشرس وأكثر صقورية فى الشكل على الأقل.
فى تجربته الافتتاحية اكتفى بالصورة عن الأثر؛ فاستعرض ولم يحسم. أنهى الاتفاق النووى الذى أنجزه أوباما بدعوى أنه سيئ، وسكت سنتين تقريبا؛ ثم قتل قاسم سليمانى وأكمل صمته إلى موعد الرحيل عن البيت الأبيض.
النسخة الثانية منه بدت مُحسّنة كثيرا، أو أنه يستأنف الاشتباك مع الملف من النقطة التى توقف عندها.
دخل مكتبه فى يناير وبدأ التدرج صعودا فى نقده وتحذيراته؛ حتى وصل إلى أبريل، وبعث رسالته الشهيرة للمرشد الأعلى بمهلة من ستين يوما، وفى تمامها أطلق يد نتنياهو وقاذفاته الثقيلة.
ومع مستهل العام عاد للمفاوضات مجددا؛ لكنها لم تصمد سوى عدة أسابيع، ومظروف خامنئى تحول إلى قنبلة شطبته نهائيا من المعادلة!
الهدنة الحالية سارية منذ خمسين يوما، والغالب أنها ستكسر الرقم الذى سجلته جولات التفاوض الخمس قبل حرب يونيو من العام الماضى.
وستتضاعف فسحة التهدئة بالنظر إلى أن المطلوب تمديد الجمود لإثبات حسن النيّة؛ ثم إطلاق ورشة بحث لستين يوما تالية فى بقية العناوين الأساسية.
كان جليًّا منذ اللحظة الأولى أن المعركة بدأت من الذروة، وستستمر بوتيرة متقلبة حتى أول محطة توقف، لتكون الأخيرة أيضا.
بُنِىَ الرهان على أن ترتبك الدولة، ويتعذر عليه احتواء الضربة والمناورة بعدها؛ فيتداعى النظام سريعا أو تتقوّض أدواته ببطء متصاعد.
وإذ لم تأت الرياح بما لا تشتهى السفن؛ فقد تأكد أنه لا مجال للحسم، فيما نجح حرس الثورة فى رفع الكلفة، وتحويل العملية من عدوان فى اتجاه واحد، إلى لعبة استنزاف مُتبادَل.
خلع سيد البيت الأبيض قفّازه الحربى، ولن يضعه فى يديه مجددا. وإن اضطُرّ للضغط على أعصاب الملالى وجنرالاتهم، لأجل الترويض أو تكييف البنود وتصويب مسار الجدل فيها؛ فستكون صفعة بأصابع عارية، ما يعنى أنها لن تطول زمنا، ولن تتسع فى المجال والحدّة، حتى ليَصحّ وصفها بحقنة المُسكّن التى يتضاءل ألمُها أمام المقارنة مع أى ألمٍ أكبر.
لوّح بالقبضة الغليظة؛ ثم أسند التراجع إلى مطالبة من قادة المنطقة، وتحديدا حاكمى قطر والإمارات وولىّ عهد السعودية.
ومع سابقة الانخراط فى معركة وافتتاح الثانية دون إخطار الخليج أو مشاورته؛ فالإحالة هنا وظيفية غايتها البحث عن مَخرج يحفظ ماء وجهه، وتنمّ عن انحشار فى الزاوية الضيقة، لا يقل أثرا عما يعيشه الإيرانيون بأثر الانكشاف والحصار وتفكك سلسلة القيادة التقليدية.
رجّح البعض أن الولايات المتحدة أطفأت المحركات مراعاة لموسم الحج، وما من دليل على أنها تراعى تلك المناسبات عقائديا أو أمنيا، وقد افتتحت الحرب أصلا فى رمضان، وعاونت إسرائيل على غزة ولبنان لعدة أعياد، وسبق أن نحرت صدام حسين فى صبيحة الأضحى.
والأوقع أن الأفضل تكتيكيا لها أن تتحرش بالفُرس فى تلك الأيام؛ فيتعذر عليهم الرد فى جغرافيا الخليج والأراضى المقدسة، أو يركبهم الجنون فتثور ثائرة المسلمين، ويتآكل رصيدهم لدى القاعدة الدينية؛ أو السنّة منها على الأقل.
والحال؛ أن الإبطاء كان عن عجز واحتياج، ولا شىء آخر. الأمور ماضية إلى صفقة بصيغة «فض الاشتباك» فحسب؛ ثم ماراثون من الأخذ والرد، يتولى المقاصّة بين الأهداف الممكنة والمستحيلة لدى الطرفين.
وأقصى ما يمكن تحصيله نسخة ثانية من اتفاق أوباما، إنما بدون مسموحات إيران السابقة، ومع قدر أكبر من القيود وتداعيات الهزيمة.
لن يقبل ترامب بأقل أو أسوأ مما رفضه سابقا. ما يعنى التشدد بشأن التخصيب ونسبته ومآل المخزون القريب من العتبة النووية.
وإيران لن تُسلم بحصة الانكسارات كاملة، ولن تُضحى بالمكتسبات، وأهمها فرض الولاية على مضيق هرمز وتحويله إلى مورد دخل.
وهو ما لن يتقبله الأمريكيون، إن لم يكن لرمزيته الثقيلة فى الحكم على نتائج الحرب؛ فأقله لأن الحلفاء فى المنطقة وخارجها لن يوافقوا على أيرنة الممر الحيوى.
سيوافق ترامب مضطرا على اختزال العناوين الثلاثة المرفوعة سلفا فى النووى وحده، والتغاضى ظاهرا عن البرنامج الصاروخى والميليشيات.
وطهران ستحتال على موضوع الرسوم بأنها مقابل خدمات ملاحية لا عن العبور، وقد يقبل الآخرون بتلك الصيغة على ألا يكون الدفع إلزاميا، ثم يعبر الجميع ولا يطلبون خدماتها، مع حرية من أراد أن يُبحر تحت راية القرصنة المُرشدية المُلطّفة شكلا وتسمية.
تظل المشكلة أن ترامب مزاجى، يتقلب بسبب ومن دون، وصار مغرما بنظرية الرجل المجنون، مع غيبة معاونٍ حصيف مثل كسينجر فى تطبيقها الأول مع نيكسون.
ودم الحكم اليوم فى إيران متفرق، مجتبى مصاب ضعيف ومحدود الخبرة، وصقور الحرس يُنصّبونه ستارا يتخفّون وراءه. الحاليون أخف من الراحلين، أردأ فى المناورة وأقل قدرة على التنازل والمُقايضة.
التشدد صار عضوا أصيلا فى الإدارة، والنووى يفرض نفسه بديلا عن شرعية الثورة وجيلها الأول. والحائل دونه فتوى رجل قتله الشيطان الأكبر، وبات ممكنا التحلل منها قصاصا، أو أن تُستبدَل بها نسخة انفعالية دعائية من ابنه ووريثه.
رهان الملالى على الوقت لحين انتخابات الولايات المتحدة. وإذا خسر الجمهوريون فلن يعدم زعيمهم حيلة للثأر، وإن فازوا فستتقوّى نزعته العدوانية ولن يقدر أحد على كبحها. وإيران تنزف، ويستحيل أن تستمر هكذا مهما كانت قدرتها على الاحتمال.
الأغلب أنها ستتنازل بحدود، على أمل التسرّب ببطء كما فعلت سابقا، أو انقلاب الأحوال فجأة لدى الأعداء. هكذا درج صانع السجاد وتربّى على الصبر وشراء الأعمار.
أما ترامب فلم يربح الحرب، وليس فى وارد تكرار المحاولة، وسيرضخ فى النهاية لحقيقة أنه لا بديل عن القبول بما قضى سنوات يستهجنه من الديمقراطيين ويهجوهم به.. ليقف مُجبَرا، وبلا بدائل، بين سخرية أوباما المكتومة منه، وشبح خامنئى الأب؛ إذ يُطل من كل التفاصيل، ليكشف له عوار اللعب فى التوازنات دون تقدير وافٍ لاحتمالات سوء العاقبة!