إن تماسك المجتمع المصري، واحترامه للعادات والتقاليد، وعودته التلقائية إلى جذوره الحضارية عند الأزمات والشدائد، ضمن سيكولوجية الشعب المصري العظيم.
تلك الطبيعة المتفردة للمجتمع المصري احتارت معها مراكز البحوث والدراسات لدى الذين يختلفون معنا ويحاولون تفتيت مجتمعنا من الداخل، فقوتنا تنتقص من مصالحهم ونفوذهم، ويبذلون قصارى جهدهم لفصل الشعب المصري عن قيادته، ويحقرون عبر جميع الوسائل من دور المعلم ودور الأب ودور الأم، ويعملون عبر الجمعيات النسوية على هدم الاستقرار الأسري عبر بعض التصريحات والفتاوى الشاذة من قبيل: «المرأة غير ملزمة بخدمة زوجها، المرأة غير ملزمة بتجهيز الأكل والطعام... إلخ»، مع التقليل من دور ربة المنزل ودفعها للخروج من المنزل تحت شعارات براقة منها المساواة والعدالة والبحث عن الذات، بالرغم من أن دور المرأة في المنزل في منتهى الأهمية.
وهنا أنا لست ضد عمل المرأة، ولكن أقر بأن واقع المرأة التي لا تعمل يحقق الاستقرار الأسري في حالة المقدرة المالية للأسرة، ودور المرأة المعيلة يشعرني بالفخر من تضحيات المرأة المصرية في كافة أدوارها؛ الأم، الزوجة، الخالة، العمة... إلخ.
العلاقة بين الرجل والمرأة تكاملية، أما شعارات البحث عن الذات والندية بين الرجل والمرأة، والكثير والكثير من الدراسات والترندات عبر بعض مشاهير السوشيال ميديا التابعين لمنظمات دولية وينفذون أجنداتها دون تعارض أو اعتراض، فالمال والشهرة أجازا لهم تناسي العادات والتقاليد.
وارجعوا معي حضراتكم لدراسة التاريخ حيث الدروس والعبر، فبعد انتصار الجيش المصري العظيم في السادس من أكتوبر عام 1973، عُقدت لجنة أجرانات في إسرائيل لدراسة أسباب الهزيمة، فكل حسابات العلم والعقل تجزم بعدم تمكن الجيش المصري من اقتحام قناة السويس وتدمير خط بارليف، لكن الجيش المصري والشعب المصري، خير أجناد الأرض قولًا وفعلًا، قد خرقا قوانين الطبيعة وانتزعا النصر، فنحن خير أجناد الأرض، وهو معنى حديث نبوي شريف.
وأصدرت اللجنة الإسرائيلية ضمن توصياتها للتعامل مع الجيش المصري في المعارك المستقبلية بقولها: «بطلقة رصاصة تُقتل مقاتل، وبطلقة مدفع تُدمر دبابة، وهكذا، فإذا أردت الانتصار على الجيش المصري عليك أن تدمر اليد التي تضغط على الزناد»، بمعنى تدمير اللحمة المجتمعية والعادات والتقاليد وتحريف الدين والقيم، وإفساد المرأة، والتحقير من دور المعلم والطبيب والأب والمدرس لصالح مشاهير السوشيال ميديا والترند.
ومنذ ما يقرب من عدة أشهر، وهناك حديث عن تعديل قانون الأحوال الشخصية للمصريين سواء المسلمين أو المسيحيين، وسط فرحة وترقب لعودة الأمور إلى نصابها، خاصة في الزواج والطلاق، فالهدف الرئيسي من الزواج هو الذرية وتعمير الأرض، وقبل ذلك عبادة الله سبحانه وتعالى.
فالزواج مودة ورحمة، وفي حالة الطلاق هناك مفارقة بإحسان.
فمعايير اختيار الزوجة متعددة؛ مالها، وجمالها، وحسبها، ونسبها، وذات الدين مكسب وغنيمة للرجل العاقل، وبعيدًا عن الروايات التي تتحدث عن الحب والإعجاب والمعايير الشخصية لاختيار الزوجة، فأهم بند في الزواج هو المودة والرحمة والعِشرة الطيبة التي توحد المشاعر بين الزوجين وتخلق بينهما روابط، من بينها الحب.
فالزواج ليس عقدًا يُكتب في المسجد أو الكنيسة فقط، بل هو اكتمال لكيان مجتمعي كامل يصب في حفظ النسب، ويحدد مهام ومسؤوليات كل فرد من أفراد الأسرة، والأساس الأب والأم، وفي حالة أن أكرمهم الله تعالى بالذرية، تكون مسؤولية الأب والأم رعاية الأبناء في كل مراحل الحياة، بدءًا من مرحلة النصح والإرشاد، ثم مرحلة العقاب والثواب، ثم مرحلة الصحبة والعقل عند البلوغ.
فالعلاقة بين الزوجين ليست كما في الأفلام والمسلسلات المدبلجة أو الممولة من منظمات متعددة الجنسيات أو السوشيال ميديا، فالزواج اهتمام، واحترام، ومسؤولية، وعقل يتسع لعقل، وعِشرة تدوم بالمعروف.
إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.. البيوت إما أن تقوم على العدل والفضل والراحة النفسية (المعروف).
وإذا استحالت الحياة وانعدم التفاهم بين الزوجين، فإن العادات والتقاليد المصرية وأدبيات الرجولة تحتم بأن تنتهي بالطلاق والنبل وحفظ الكرامة وأداء الحقوق (الإحسان).
إن حماية البيوت من التصدع تبدأ من حسن الاختيار، ثم بالتثقيف المستمر حول فنون الإدارة الأسرية، واليقين بأن الصبر والتسامح هما وقود الاستمرارية.
وإذا ما وقع المحظور ووصلت السفينة إلى طريق الطلاق والفراق، فإن الرقي في الرحيل هو الذي يحفظ للجميع إنسانيتهم.
إن الأمن المجتمعي مسؤوليتنا جميعًا، سواء قيادة أو حكومة أو أولياء أمور أو أفرادًا، فالشعب المصري والشعب العربي مسؤولان عن أمن مجتمعهما، فكل الشعوب العربية مستهدفة وتعيش في حقبة تداعي الأمم عليها، ولا يوجد ما هو أهم من الفرد والأسرة كنواة لتماسك المجتمع.
إن القيادة السياسية، بحكم إدراكها للأمن بمنظوره الشامل في حقبة زمنية مضطربة يصدق فيها الكاذب ويُكذَّب الصادق، ويتداخل فيها الباطل في أمر أهل الحق، قد وجهت الحكومة بتقديم مشروع إلى مجلس النواب يتعامل مع التحديات والإشكاليات المتراكمة عبر عقود، وذلك عبر تقديم قانون الأحوال الشخصية للمصريين مع أخذ موافقة الأزهر الشريف والكنيسة المصرية في الأمور الشرعية.
ومنذ ذلك الوقت، وفي إطار البحث عن الترند، تخرج إلينا الأخبار من هنا وهناك سواء بالموافقة على مسودة القانون أو الاعتراض عليه، مع العلم أن القيادة السياسية قد أرست قواعد منظمة لتعديل القوانين، وهي وضع القوانين عبر الخبراء والمتخصصين، مع مراعاة عدم تعارضها مع الدين عبر أخذ موافقة الأزهر الشريف والكنيسة المصرية في الأمور الشرعية مثل قانون الأحوال الشخصية، ثم عرضه على حوار مجتمعي، والأخذ بالتعديلات التي تتماشى مع الدستور والشرع.
وفي الختام، كلنا نثق في دولتنا وقيادتنا، وبأن قانون الأحوال الشخصية الجديد سيكون ضمن القواعد المحافظة على الترابط الأسري والأمن المجتمعي، فنحن شعب مصر العظيم في رباط إلى يوم الدين، وهو معنى حديث نبوي شريف، ودائمًا نحن مستهدفون في عقيدتنا وحياتنا ومعيشتنا، فالعودة إلى منظومة القيم والعادات والتقاليد والتجذر الحضاري واحترام تعاليم المسجد والكنيسة هو جسر نجاتنا من الفتن، مع وحدتنا على قلب رجل واحد: حكومة وقيادة وشعب.
في ظل قيادة رشيدة تتقي الله تعالى، وتبني وتعمر وتأخذ بالأسباب العلمية «الماديات»، وتجبر بخاطر البسطاء «العبادات»، والأمر كله بيد الله تعالى في بناء جمهوريتنا الجديدة، فنحن المصريون جنود الحق في الأرض.