تنهض الشعائر الربانية بمسؤولية كبرى من شأنها أن تغذي وجدانيات المرء بنبل القيم وفضيل الشمائل صياغةً للضمير الإنساني النقي؛ ومن ثم تغير تلك التعبدات الحية من سلوكياته في إطار الانضباط القويم وفق منهجية تكاملية واضحة المعالم؛ حينئذ يشعر الإنسان منا بالسعادة الحقيقية والبهجة الغامرة في سياقها المستدام، بما يضمن استقرار النفس وتوازنها وبناء مجتمع مترابط الأخلاق، وهنا تلوح العبادة واحة ثرية تشرع للبشرية بوابات السلام والتعايش السلمي.
يأتي عيد الأضحى المبارك هاديًا وموجهًا للبشرية؛ فلا نقف من خلاله عند حد العادة الرتيبة، لكن نتذكر سويًا معنى قيمة الإخلاص الحق، والطاعة المطلقة، غير المشروطة لرب العالمين؛ فتلك هي العقيدة القويمة الراسخة، التي يدرك من خلالها البشر بأعمق صياغة إيمانية أن رب العباد بيده مقاليد السماوات والأرض، وأن عبرة الاستخلاف البشري ترتكز على الطاعات المخلصة، وترك ما سواها من الهوى، وهنا تغدو السكينة النفسية والطمأنينة الروحية مرهونةً بالحالة الإيمانية النورانية المشرقة في الأفئدة والقلوب، لتصنع تلك المعاني البليغة سياقًا تعبديًّا متكاملًا يربط العبد بخالقه رباطًا وثيقًا.
نحتفل بعيد الأضحى، ونبتهج بتفاصيله الراقية الغامرة بمشاعر الود، كونه فرصة طيبة متزامنة مع شعيرة الحج المباركة، التي تعزز في نفوسنا قيم التقوى، وتعمق ماهية الانضباط، وتؤكد على معنى الإيثار والتآلف الإنساني النبيل؛ فالجميع يتلمس الغفران الذي كفله رب العباد لعباده الواقفين بقلوب خاشعة على بابه الكريم، مدركين واثقين في عظمته، طامعين في رضوانه؛ ليعودوا في طي النقاء المعهود.
في الأضحى المبارك نوقن يقينًا خالصًا صورة الامتثال الأسمى وقدسية المشاعر والشعائر الدينية البليغة؛ فيصبح البذل والعطاء والإخلاص والتجرد ونقاء السلوك والعفة وصون اللسان وهجر ما يشوب صفاء النفوس الإنسانية، سمات زكية أصيلة، يتحلى بها الإنسان في ممارساته وأقواله، وصدى وجدانه؛ لينعكس ذلك الأثر التعبدي العميق على علاقاته المجتمعية، صانعًا مجتمعًا خيِّرًا متعاطفًا مبرأً من شوائب الهوى متطلعًا للارتقاء.
ندرك أن أضحانا المبارك ينير في نفوسنا خلود الإذعان لمشيئة الرحمن في تدبير أمورنا وتصريفاتها الكونية الحكيمة؛ ومن ثم تطمئن صدورنا بيقين راسخ بأن الامتثال لأمر الله تعالى لا يرتهن بهوى نفسي أو تأويل قاصر، لكنه ينبري على فلسفة صادقة المعنى والمغزى، ألا وهي التسليم المطلق والانقياد التام في تمامهما وكمالهما دون مواربة، لتصبح العبادة نهجًا قويمًا وسلوكًا مهذبًا.
يرتفع عظم عيد الأضحى المبارك، حين نرصده في انتصارات الروح على الهوى والشهوات؛ حيث تمنى الرضا الدائم من قبل رافع السماوات بلا عمد، والخروج الحقيقي من دائرة الرياء المقيت، أو التباهي بما نصنعه من أفعال البر والتقوى، وهنا نوقن فضل فعل الخيرات في إطار متصل غير منفصل؛ فهذا ضرب قويم لجهاد النفس التي دومًا ما تتعرض لموجات عاتية من الابتلاءات، ليعود المرء تائبًا منيبًا مستقرًّا.
تظهر ثمرة عيدنا الأكبر واضحةً عندما يتأكد المرء من تحري الانتقاء الدقيق فيما نقدمه قربةً لله سبحانه؛ فلا مجال هناك للتهاون أو التقصير في العبادات؛ فالقربة الخالصة إلى رب العرش العظيم تتطلب الإتقان البليغ؛ إذ يرتكز الإحسان على نوايا نقية ترسو بسفينتنا بأمان إلى مرفأ المحبة والتكافل الاجتماعي؛ فتصبح القلوب النبيلة على سلامتها الفطرية باقيةً، ويتحقق الوئام الإنساني الشامل في أبهى صوره.
ما أجمل عيد الأضحى المبارك الذي تغمر الفرحة في ظلاله الوارفة الجميع دون استثناء؛ فقد أثلج قلوب الماضين قربةً لله تعالى بالبذل، وألقى الرضا في صدور أصحاب العوز عبر التكافل؛ فساد مناخ الحب في الله بأسمى معانيه، وتلك مرتبة عظيمة لسمو العلاقات الإنسانية التي تدرك ماهية الاستخلاف في الأرض إعمارًا، لتنسج الأضحية نسيجًا اجتماعيًّا متآلفًا رائعًا يفيض بالبهجة والرحمة توددًا خالصًا للمولى عز وجل.
أتوجه بالتهنئة المفعمة بالحب الخالص لشعوب العالم الإسلامي قاطبة بهذه المناسبة سامية المعنى والمغزى، وأسأل الله جل في علاه أن تسود المحبة والسلام بين بني البشر في مشارق الأرض ومغاربها، ونرسل ببرقية تبريك صادقة تحمل المودة لقيادتنا السياسية الحكيمة ومؤسسات الدولة الوطنية وشعبنا النبيل والأصدقاء والأقارب والأهل والأحبة، متمنين للوطن دوام الرفعة والرخاء، وكل عام وأنتم إلى الله أقرب وعلى طاعته أدوم، مع خالص محبتي للجميع.