صُمتُ، وليس من عادتى أن أصوم يوم عرفة؛ فتداعت علىّ الأفكار، ويبدو أن نقص السكر فى الدم، وأثر محاولات الإقلاع عن التدخين، قد أدخلا الخواطر فى بعضها، وسأتركها تتدفق كما خطرت على البال!
المشهد مهيب، والصور المتواترة من المشاعر المقدّسة يهفو لها القلب، ويتمنّى كل مسلم لو أنه فى معيّة الحشود الواقفة بعُريها الطاهر أمام الله. إنما أشد ما تُذكّر به اللحظة، وتستدعيه للذهن، ما كان قبل أربعة عشر قرنا ونيّف.
كانت حجّة الوداع تجربة النبى الأُولى والأخيرة؛ ولعلّها حكمة إلهيّة لإقناع المُتزيّدين والمُتنطعين بأنه لا قيمة للتكرار، والعِبرة بصدق الزيارة الواحدة وصفائها، وقد يتحقّق الارتواء برشفة، ويتعذّر على البعض ولو على نهرٍ جارٍ.
لا قيدَ على الحرية، ولا شرط لعلاقة العبد بربّه؛ إنما الاجتماع وتنظيم المجال الوطنى من أعمال الدُّوَل، ولها أن تُنظِّم حركة مواطنيها وأسفارهم؛ لا سيما لو تقاطعت مع الأولويات، أو استنزفت موارد شحيحة كالنقد الأجنبى.
وفضلاً عن الضبط؛ فالتوعية والإرشاد مُهمّان، ويجب الاشتغال على تنوير الأفهام والبصائر، وتثبيت حقيقة أنه لا فائدة من الأكل بعد الشبع، وتكفى رحلة مادية إلى الله، على أن تتوالى الرحلات معنويًّا، بالإحسان، والإنفاق فى مصارف الخير المُتنوّعة.
بديهياتٌ ما تزال محلَّ شكٍّ وجدل؛ بالرغم من حسمها بالعقل والمنطق والقياس السليم. فكأنه التباس مُصطنَع، يُشبه ما يعيشه المسلمون طوال قرونٍ، بينما بيّن لهم الله ورسوله جوهر الأمر بلُغةٍ لا تقبل التأويل، ولا الاحتيال على الحق.
فى خطبته الشهيرة، صدح النبى فى تسعين ألفًا، أو أكثر بحسب بعض الروايات، ورسَّمَ القِيَم وحدود الأخلاق، واختتم رسالته بتمام البلاغ؛ كأنه يُسلّم الراية ويستأذن فى الرحيل، تاركًا فينا ما لن نضلّ بعده، تُحوِّطُه الآية الكريمة: «اليوم أتمَمتُ لكم دينَكم».
تفجّر الشقاق بعد أسابيع.. أسلَمَ الرسولُ روحَه فى أوّل الربيع، واختلف القوم فى السقيفة وقبلها. قِيل إنه طلب فى مرضه الأخير أن يكتب وصيّة للأمة، فمُنِع برفضٍ من عُمر، ووُصِف بأنه «يَهجُر» فى سكرات الموت.
ادّعى بعض الشيعة أنه كان سيترك الأمر لعلىّ بدلاً عن أبى بكر. يرفض السُّنّة بالطبع، ويتّفق معهم شيعةٌ آخرون، وإنْ من مُنطَلَق إيمانهم بسَبق الوصيّة فى «غدير خم» إبان العودة من الحج، وفيها الحديث المُتّفق عليه: «مَنْ كُنتُ مَولاه؛ فهذا عَلىٌّ مَولاه»، مع اختلافهم فى التأويل.
ثارت ثائرةُ القوم، ونُحِّىَ الأنصارُ بدعوى أن الأمر لقريش؛ ثم انقسم القُرَشيّون على أنفسهم بعد وقت غير طويل، فكانت الفتنة، وكان الشرخ المذهبى الذى نتعثّر فيه ونسقط تباعًا حتى الآن، وتُحمَى نارُه اللاهبة حاليًا على ضفّتى الخليج، وفى كل اختراق أو سلوك شائن من إيران ضد الجوار!
يقتصُّ الفُرس بأثرٍ رجعى. أخذوا من العرب الدِّينَ ولم يُسامحوهم على محو الإمبراطورية واغتنام أطلالها. أعراقٌ تتخاصم تحت راية سماوية، والسماء براء من صراعات الأرض.
تضادّات مصنوعة ومُلفّقة، وتخصُّ أصحابها بأكثر مِمّا تتّصل بأصل الخلق وحكمة الخالق. مصارين البطن كعلاقة السُّنّة بالشيعة، وبطنٌ مع آخر كالمسلمين وغيرهم، وأجساد بكاملها كالشرق والغرب!
وعلى ذِكر الجانب الآخر المُتقدِّم من العالم، يَشيعُ أن فارق هناك عن هنا أنهم يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونُعَوّق الناجح ونُحبطه إلى أن يفشل. وهى قولة حقّ بلا مراء؛ إنما يُراد بها الباطل والتلبيس؛ لا سيما فى سياقاتنا غير المُعتدلة ومُعتلّة الموازين.
فتحت عَينىّ فى بادئ اليوم على أغنية شيرين عبد الوهاب الجديدة. طُرِحَت مساءً ولم أكن سمعتُها، ثنائية مع محمد حماقى، وهى الثالثة من ألبومها الجديد، وكسابقتيها جاءت بتوقيع المُجتهد عزيز الشافعى.
وكُنت انتقدتُ العمل السابق؛ لخفّةٍ فى الكلام والأنغام، ما تكرّر فى التجربة الأحدث مع قدرٍ أعلى من الاستسهال؛ حتى أننى قُلت ساخرًا إن «عزيز» صار أخطر على شيرين من كل أزماتها الخاصة.
يجتهد الرجل بلا شَكٍّ، وله أعمال جيدة؛ غير أنه يستخفّ بعملية الإبداع حينًا، يركب حصان الصنعة أحيانًا بلا رؤيةٍ أو كوابح، ويثق فى ذائقته بأكثر مِمّا يجب دائمًا، ومَرَدّ المشكلة فى جانبها الأكبر أنه يتصدّى لِمَا لا يُحسِنُ؛ فيتعثّر فيما يُجيد!
مُلَحّنٌ جيّد، يُمكن بقدرٍ من الاجتهاد أن يتطوّر وتصير له بصمة تبقى؛ غير أنه ليس شاعرًا ولا مُحترفًا فى غَزل المعانى؛ وإذ يُوجّه طاقته للأمرين معًا؛ يستهلك جانبًا فى جُملٍ كلامية مُتواضعة، فيتبدّد وَهجٌ كان مُقدَّرًا له أن يُسعفه فى تجويد وتعميق جُمله الموسيقية الواعدة.
يُشبه ذلك تجربة صحفية شهدتها قبل سنوات طويلة. طرأ على ذهن صاحب القرار فيها أن يلغى التدقيق اللغوى/ قسم التصحيح، ويدمجه بالمراجعة التحريرية/ الديسك؛ فساءت الكتابة والإملاء معًا.
والسبب؛ أن كلَّ فريق صرف طاقته على ما لا يُحسنه، بالخصم مِمّا يُتقنه أصلاً، ولأنه لا يملك أشراط المفقود فلم يتحسّن أداؤه فيه رغم الجهد والتركيز، فكان الأمر ضياعًا على كل المستويات!
لن يجتهد اللاعب ما لم تُعاقبه الإدارة والجماهير. قوّة القانون فى الردع العام والخاص، والنجاح الذى يُصنَع بجُملة وتهليلٍ على مواقع التواصل؛ لن يُحفّز الفنان على تطوير إبداعه، أو استدراك الإخفاق.
من الضرورى أن تكون العدالة حاضرةً دومًا، وأن تُطرَح القدوة والمثال بالطريقتين: تقديم الجيد وتأخير الردىء، مديح الكفء الناجح، وهجاء التافهين والفشلة، لا ذبحهم طبعًا؛ إنما على الأقل أن يُنَحَّوا ويُوصَموا اجتماعيًّا ومهنيًّا؛ حتى تظل المعايير منضبطة ولا تتشوّه فى وعى الحاضر والمُستقبل.
ما أحوجَنا للعودة فى الزمن إلى حجّة الوداع وخطبتها، وإلى كتاب الله ومائه الصافى، وإلى احترام الصنعة والتخصُّص، وإعلاء اعتبارات الكفاءة والاستحقاق.
ما أحوج عزيز للتوقُّف مع نفسه، وشيرين للمُراجعة والاستناد إلى مستشارين أو مُخلصين يُقدّرون موهبتها ويخافون عليها.
توالت الخواطر، وما تزال، واكتشفت وأنا أكتب أنَّ اليوم طويل، والمقال قصير؛ فاكتفيت بهذا القدر!