في مشاهد روحانية تزلزل الوجدان وتهز شغاف القلوب، بلغت رحلة العمر الشريفة ذروتها الإيمانية الكبرى؛ حيث أدى حجاج البعثة المصرية الركن الأعظم للحج بالوقوف على صعيد عرفات الطاهر، وسط بحور من الدموع والخشوع التي غسلت النفوس وأحيت الروحانيات في يوم جليل تجلت فيه مغفرة رب العالمين.
ولم يخلُ ذلك المشهد المهيب الذي احتبست له الأنفاس من فيض الدعوات الصادقة التي أطلقها ضيوف الرحمن، حيث تعالت التكبيرات والابتهالات من حجاجنا الطيبين الذين لم ينسوا في أقدس اللحظات والمواقف أن يرفعوا أكف التضرع بالدعاء لأنفسهم ولذويهم، ومزجوا تطلعاتهم الشخصية بدعوات مخلصة لمصرنا الغالية، سائلين المولى عز وجل أن يحفظ أرض الكنانة وينعم عليها بالأمن والأمان والرخاء والاستقرار المستدام.
أسر الشهداء يؤدون الحج
وزين مشهد الوقوف بعرفات حضور استثنائي يحمل عبق الوفاء والكرامة، تمثل في تواجد أسر وأهالي شهدائنا الأبرار، الذين اصطفتهم بعثة حج القرعة تقديراً لتضحيات ذويهم؛ حيث أضفى هؤلاء الحجاج الأجلاء صبغة من الفخر والاعتزاز على جنبات المشهد الأعظم، وهم يرفعون أدعيتهم لشهداء الوطن الذين قدموا أرواحهم فداءً لتراب مصر، فكانت تلك اللحظات بمثابة تكريم إلهي روحي لأسر أبطال لم تغب سيرتهم العطرة عن وجدان الدولة المصرية ولا عن تلك البقاع الطاهرة.
وعقب غروب شمس ذلك اليوم المشهود، انطلقت الملحمة اللوجستية التنظيمية التي قادتها البعثة المصرية بكفاءة واقتدار؛ حيث تمت عملية النفرة المباركة صوب مشعر المزدلفة بنجاح كبير وغير مسبوق، وانتقلت قوافل الحجيج بانسيابية مطلقة ويسر تام، للمبيت في المزدلفة وجمع الجمرات في جو من الطمأنينة والهدوء، تمهيداً لبدء مناسك يوم النحر.
الحجاج يرمون الجمرات
ومع إشراقة الساعات الأولى من هذا اليوم الأربعاء المبارك، يحط الحجاج المصريون رحالهم في مشعر منى للمباشرة في أداء مناسك يوم الحج الأكبر، حيث توجه ضيوف الرحمن في مسارات منظمة وآمنة لرمي جمرة العقبة الكبرى بسبع حصيات، مهللين ومكبرين ومستشعرين عظمة الامتثال للأمر الإلهي.
وعقب الفراغ من الرمي، انطلقت أعمال الهدي المخصصة للحجاج المتمتعين والقارنين عبر منظومة الذبح والأضحية الشرعية والمنظمة بدقة، تلاها على الفور بدء شعيرة التحلل الأصغر من الإحرام، حيث بادر الرجال بالحلق أو التقصير، في حين قامت النساء بقص أطراف من شعرهن، لتغمر الفرحة والبهجة وجوه الحجيج الذين استبدلوا ملابس الإحرام البيضاء بملابسهم العادية، معلنين تجاوز العقبات الكبرى لرحلة الحج بنجاح وسعادة غامرة.
وفي قلب هذه الملاحم المتلاحقة، زفت بعثة الحج المصرية بشرى سارة طمأنت بها ملايين القلوب والأسر في أرض الوطن، حيث أكدت البعثة في بيان رسمي حاسم أن جميع حجاجنا بخير وصحة جيدة للغاية، ولم يتم تسجيل أية إصابات أو مشكلات تعكر صفو الحجيج.
وجاءت هذه الطمأنينة بفضل التنسيق الطبي والأمني عالي المستوى؛ حيث تتابع بعثة الحج تحركات ضيوف الرحمن لحظة بلحظة من خلال شبكة واسعة من العيادات الطبية المتنقلة والمجهزة بأحدث المعدات والأدوية، والتي تنتشر بذكاء في مسارات حركة الحجاج بين المشاعر المقدسة لتقديم الدعم الفوري، والوقوف على سلامة الجميع، وضمان بقاء ضيوف الرحمن في أتم جاهزية بدنية وصحية لإتمام بقية المناسك بقلوب مطمئنة ونفوس حامدة.