عاش ملايين الحجاج، اليوم الأربعاء، واحدة من أكثر اللحظات مهابة وإثارة في رحلتهم الإيمانية المقدسة، حيث تدفقت جموع ضيوف الرحمن بصورة بشرية مهيبة صوب مشعر منى، وذلك بعد ليلة مفعمة بالروحانيات قضوها في رحاب مزدلفة، تلت يوم الموقف العظيم فوق جبل عرفات الطاهر الذي ذرفت فيه العيون ووجلت القلوب.
ضيوف الرحمن يطاردون الشيطان بالحصى ويسابقون الزمن لطواف الإفاضة
ومع خيوط الفجر الأولى، تحولت مناسك الحج إلى خلية نحل لا تهدأ، حيث تسابق الحجاج لرمي جمرة العقبة الكبرى بسبع حصيات، في مشهد يجسد أعلى درجات التحدي والإصرار.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تزامنت الحصوات مع بدء عمليات ذبح الهدي والأضاحي، لتسيل دماء الأضاحي في طاعة وشكر، تلتها طقوس الحلق والتقصير التي أعلنت التحلل الأصغر للحجيج، ليتوجه الطوفان البشري بعد ذلك مباشرة إلى بيت الله الحرام لأداء طواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة، وسط أجواء ملأت القلوب بالفرحة والدموع بالفرج.
وتأتي هذه المشاهد الاستثنائية لتعيد إلى الأذهان الخلفية التاريخية والدينية العميقة لموسم الحج، الذي يعد الركن الخامس من أركان الإسلام، والمحفل السنوي الأكبر الذي يجمع المسلمين من كل حدب وصوب دون تفرقة بين جنس أو لون أو عرق.
وتأتي مناسك هذا العام لتؤكد قدرة الأمة الإسلامية على التلاحم، كما تسلط الضوء على الجهود التنظيمية الهائلة التي تبذل لتأمين سلامة ملايين البشر في رقعة جغرافية وزمنية محدودة، مما يجعل من الحج ملحمة دينية وإنسانية تتجدد كل عام لتثبت للعالم أجمع قيم السلام، والتضحية، والوحدة المطلقة تحت راية واحدة.