في مشهد مناخي مخيف يذكر العالم بتسارع وتيرة التغير المناخي، تشهد أوروبا هذه الأيام موجة حر استثنائية ومبكرة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأرصاد الجوية، فبينما كان من المفترض أن يكون شهر مايو شهرا معتدلاً يعبق برائحة الربيع، تحولت مدن بأكملها إلى أفران حارقة، حيث تجاوزت درجات الحرارة حاجز 35 درجة مئوية في بعض المناطق، وهو رقم قياسي يسجل للمرة الأولى في هذا الوقت من العام.
الموجة في فرنسا..7 وفيات
أعلنت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية مود بريجون، اليوم الثلاثاء، عن 7 حالات وفاة مرتبطة بـ موجة الحر الشديدة التي تجتاح فرنسا، من بينها ما لا يقل عن خمس حالات غرق.
وقالت بريجون في تصريح لها اليوم : « هناك سبع حالات وفاة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالحرارة، منها خمس حالات غرق على الأقل، فضلا عن حالتي وفاة مرتبطة بالحرارة الشديدة خلال المنافسات الرياضية».
وأوضحت أن شخصين غرقا في جيروند (جنوب غرب فرنسا)، وآخر في مارن (شمال شرق)، وآخر في سين-إيه-مارن (شرق منطقة باريس الكبرى)، وآخر في مين-إيه-لوار (غرب فرنسا)، فيما لقى شخصان مصرعهما أثناء ممارسة الرياضة في باريس (العاصمة) وليون (وسط شرق البلاد).
وأشارت إلى أن تقييما أدق سيجرى عند انتهاء هذه الأزمة، مؤكدة أن «يقظة كل فرد على حدة تكتسب أهمية بالغة في مثل هذه الأوقات، إلى جانب الإجراءات التي تتخذها الدولة والمحافظات والبلديات».
ومن المتوقع أن تزداد حدة هذه الموجة الحارة ،غير المعتادة في هذا الموسم، خلال اليوم الثلاثاء، مع دخول موجة حر شديدة غير مسبوقة لشهر مايو في غرب البلاد، تشمل أجزاء واسعة من إقليم بريتاني في أقصى شمال غرب فرنسا.
بريطانيا: رقم قياسي يربك الحسابات
عبر بحر المانش، كانت الصورة مختلفة قليلاً لكنها لا تقل خطورة. فالمملكة المتحدة، التي عُرفت بطقسها المعتدل وأمطارها المستمرة، سجلت يوم الاثنين 25 مايو أعلى درجة حرارة في تاريخ البلاد لشهر مايو، حيث بلغت الحرارة في لندن 34.8 درجة مئوية. وهذا الرقم حطم الرقم القياسي السابق الذي كان مسجلاً في عام 2022 بواقع 32.8 درجة، أي بفارق درجتين كاملتين – وهو فارق ضخم في علم المناخ.
ووصف خبراء الأرصاد في مكتب الأرصاد الجوية البريطاني (Met Office) هذه الموجة بأنها "شاذة ومبكرة بشكل خطير"، مؤكدين أن الكتلة الهوائية القادمة من شمال أفريقيا والتي استقرت فوق غرب أوروبا هي المسؤولة عن هذه الحرارة اللاهثة.
وأشاروا إلى أن درجات الحرارة في بعض ضواحي لندن وقرب مطار هيثرو تجاوزت 35 درجة، وهي حرارة قد تكون مميتة لكبار السن والأطفال، خاصة أن المنازل البريطانية قد لا تكون مجهزة بتكييف هواء لأن الحر يفترض أن يأتي في يوليو وليس مايو.
وتسببت الحرارة في شلل جزئي لحركة القطارات في جنوب إنجلترا، حيث اضطرت شبكة السكك الحديدية إلى فرض سرعات منخفضة على القطارات خوفاً من التواء القضبان الحديدية بسبب تمددها تحت الحرارة. كما شهدت شبكات الكهرباء ضغطاً غير مسبوق مع تشغيل ملايين الأسر لمراوح التبريد ومكيفات الهواء المحمولة، مما أثار مخاوف من انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي في حالة استمرار الموجة.
هولندا وبلجيكا وألمانيا: تحذيرات وإغلاق مدارس
لم تقتصر موجة الحر على فرنسا وبريطانيا فقط، بل امتدت لتشمل معظم دول شمال غرب أوروبا. ففي هولندا، أعلنت سلطات الأرصاد الجوية حالة الطوارئ القصوى، وطلبت من كبار السن عدم مغادرة منازلهم بين الساعة 12 ظهراً و4 مساءً. وفي بلجيكا، تم إغلاق العديد من المدارس والمكاتب الحكومية أبوابها، مع تحويل العمل إلى نظام "العن بُعد" لتقليل تعرض الموظفين للحرارة.
أما في ألمانيا، فسجلت مدن غربية مثل كولونيا وفرانكفورت درجات حرارة اقتربت من 36 درجة، مما دفع السلطات إلى فرض حظر على إشعال النيران في الغابات والمتنزهات الطبيعية، خوفاً من اندلاع حرائق غابات واسعة النطاق، كما تم نشر فرق إطفاء إضافية في المناطق الريفية، مزودة بطائرات هليكوبتر للإطفاء، تحسباً لأي طارئ.
الأزمة الاقتصادية واللوجستية
بصرف النظر عن الخسائر البشرية، تخلف موجة الحر هذه تداعيات اقتصادية كبيرة. فقد تسببت في إغلاق العديد من الموانئ الأوروبية الكبرى مثل روتردام وأنتويرب وهامبورغ جزئياً، حيث توقفت بعض عمليات تفريغ الحاويات والشحن بسبب درجات الحرارة التي تجعل العمل في الأرصفة المكشوفة خطراً صحياً على العمال. كما تأثر قطاع الزراعة سلباً، حيث بدأ المزارعون في فرنسا وهولندا والإبلاغ عن جفاف مبكر للمحاصيل، ونضوب غير طبيعي في مخزون المياه الجوفية التي تعتمد عليها الري.
وتخشى الحكومات الأوروبية من تكرار سيناريو صيف 2003، الذي أودى بحياة أكثر من 70 ألف شخص في مختلف أنحاء القارة، معظمهم من كبار السن. لذلك، أطلقت المفوضية الأوروبية حملة تحذير موحدة، وطالبت جميع الدول الأعضاء بتفعيل خطط الطوارئ الوطنية الخاصة بموجات الحر، وفتح مراكز تبريد في المدن الكبرى، وتوزيع مياه الشرب على المشردين والفئات الأكثر ضعفاً.
توقعات الأيام القادمة
يقول خبراء الأرصاد الجوية إن الموجة الحارة لم تنته بعد، بل من المتوقع أن تشتد حدتها ابتداءً من يوم الأربعاء 27 مايو، حيث ستصل ذروتها يومي الخميس والجمعة، قبل أن تبدأ في الانحسار تدريجياً خلال عطلة نهاية الأسبوع. درجات الحرارة المتوقعة قد تصل إلى 38 درجة في جنوب فرنسا وشرق إسبانيا، وحتى 36 درجة في لندن وباريس مجدداً.
ومع هذه التوقعات، تبقى رسالة التحذير واضحة، لا تخرجوا إلا للضرورة القصوى، وأكثروا من شرب المياه، ولا تتركوا الأطفال أو الحيوانات الأليفة داخل السيارات تحت أي ظرف. أوروبا تحترق في مايو، وهذا قد يكون مجرد بداية لصيف جهنمي قادم.