من بين نماذج التفوق التى أحرص على متابعتها، يظل نموذج محمد صلاح أحد أفضل النماذج التى أهتم بالتركيز عليها، والتقاط نقاط تميزه، بجانب كونه نموذجا يمثل قدوة لشباب، يرى أن محمد صلاح نموذج كفاح وتعب وجهد، على عكس نماذج أخرى انتهت بسبب الغرور والاستهتار، بينما بقى محمد صلاح متمسكا بطموحه، ينميه، بل ويسعى لخدمة هذا التفوق ولو بتعلم اللغة، والإصرار على التجريب بكل قوة.
والواقع أننى لم أكتف بما نشرته صحف بريطانيا وأوروبا عن محمد صلاح الذى ودع ليفربول، فى مشهد مؤثر ظهرت فيه دموعه وامتزجت بدموع الجماهير التى جاءت حبا لصلاح واحتراما له ولمسيرته، وتابعت منصات التواصل الاجتماعى ومواقع مشجعى ليفربول موجات عاطفية، تزامنا مع لحظات وداع النجم المصرى محمد صلاح لملعب «أنفيلد» وجماهيره فى مباراته الأخيرة التى ينهى بها رحلة أسطورية استمرت 9 سنوات. وقد كنت شاهدا على لحظات صلاح الأولى فى بريطانيا وأعترف بأننى أعجبت بأدائه الكروى وتفوقه وأيضا أدائه الإنسانى وذكائه الذى منحه حبا أضعاف ما منحه لغيره. وعلى منصات «إكس» وإنستجرام تداول المشجعون لقطات بكاء محمد صلاح أثناء الممر الشرفى وتحية الجماهير، واصطحابه لابنتيه «مكة وكيان»، وهو سلوك يضاعف من تقدير الجمهور للاعب العبقرى.
وكان هاشتاج «نهاية حقبة» (End of an Era) الأكثر تداولا، حيث عبر الآلاف عن حزنهم لرؤية «الملك المصرى» يغادر النادى، مشيرين إلى أن ليفربول لن يكون نفسه من دونه. وامتلأت الحسابات بعبارات الشكر والتقدير لـ257 هدفا وصناعة التاريخ وإعادة النادى لمنصات التتويج المحلية والأوروبية، ووصفه الكثيرون بأنه «أفضل جناح فى تاريخ البريميرليج»، وتغنت الجماهير باللوحة الفنية «التيفو المميز» الذى رفعه الجمهور فى المدرجات لتكريم صلاح وزميله آندى روبرتسون اللذين انضما معا فى صيف 2017. اعتبر المغردون أن الهتاف الأخير باسم صلاح فى الأنفيلد كان مهيبا، وأن اللقطات التى ظهر فيها المشجعون وهم يلتقطون «السيلفى» الأخير معه تجسد حجم الحب والاحترام الذى حظى به، وتفاعل الجمهور بقوة مع تلميحات صلاح الأخيرة على حساباته، والتى أبدى فيها حنينه لأسلوب اللعب السريع والضاغط تحت قيادة يورجن كلوب، حيث وافقه الكثير من المشجعين الرأى بأن الفريق فقد هويته الهجومية الشرسة هذا الموسم.
رغم الأجواء العاطفية، ركزت الحسابات المهتمة بالإحصائيات على الجانب الرقمى؛ حيث احتفى الجمهور بصناعته لهدف كورتيس جونز فى مباراته الأخيرة، وهو الأسيست رقم 93 له فى الدورى الإنجليزى المميز، ليتفوق رسميا على أسطورة النادى التاريخية «ستيفن جيرارد» كأكثر من صنع أهدافا لليفربول فى البريميرليج، ما جعل الجمهور يصفه بـ«الرجل الذى حطم كل القياسات الممكنة».
وتجمع منصات ليفربول حاليا على أن رحيل محمد صلاح يمثل خسارة فنية وتاريخية لا يمكن تعويضها بسهولة، وسط مزيج من البكاء والامتنان لإرث «الملك» الذى وضع النادى مجددا فى مكانته الطبيعية.
والواقع أننى كتبت قبل يومين مقالا عن محمد صلاح «صورة تصنع أسطورة»، وتأثرت بصورة محمد صلاح أو «مو» كما يطلق عليه البريطانيون، وهو يصطحب أسرته إلى ملعب ليفربول، وميز ارتباط صلاح بابنتيه مكة وكيان وزوجته، نموذجا لاستمرارية تمسكه بعائلته باعتبارها أهم ما لديه، وأمام موهبته فقد حرص على أن يحرسها ويمارسها، ولهذا فقد بقى صلاح نموذجا ملهما للشباب بتمسكه وبساطته وعفويته، مع حرصه على تثقيف نفسه والتحدث بما يعرف وعدم ادعاء أى نوع من الادعاءات التى تفسد معانى البطولة.
وقد سبق وكتبت مرات عن نموذج محمد صلاح، ليس فقط لأنه ينتمى إلى بسيون بلدتى، لكن لأننى رأيت فيه وما أزال نموذجا أكبر من مجرد لاعب كرة، وكتبت ذلك من قبل«لم يعد مجرد لاعب يحرز أهدافا، بل أصبح رمزا للإرادة، يثبت كل يوم أن الموهبة المصحوبة بالالتزام والذكاء قادرة على قهر المستحيل وصناعة التاريخ فى معاقل الكرة العالمية»، ولهذا أرى أن مسيرة محمد صلاح تجاوزت المستطيل الأخضر، وقفز صلاح من لاعب كرة قدم إلى «ظاهرة اجتماعية وثقافية» ونموذج للمصرى الناجح عالميا، وهو يفعل ذلك ببساطة ومن دون تعالٍ، كما أنه يحرص على الاندماج فى المجتمع، من دون أن يتخلى عن أساسيات طبقته الوسطى، وأيضا التزامه بالتقاليد التى حملها معه من دون أن يحولها إلى عنصر عداء ونفور، بل العكس، حيث نجح صلاح بسلوكه، مع مهارته، فى تقديم صورة إيجابية وحقيقية عن الشاب المصرى والعربى، المسلم المعتدل، من دون أن يحاول الاستعراض، وهو ما جعل أداءه فى الملاعب الأوروبية وتأثيره فى الجماهير الإنجليزية يتجاوز جهود وحملات وإنفاق، قدم صورة لا تحتاج إلى تعليق.
والحقيقة أن صلاح وإن واجه بعض العداءات أو التصرفات المضادة، فهو هنا لا يختلف عن غيره، وبصراحة فقد هدم نظريات المؤامرة، ومعها «عقدة الخواجة» والتى تحاول نفى التفوق، أو تحاول الادعاء بأن الهزيمة قدر وأنها خطط، صلاح ينجح ككثير من النماذج التى تركز على عملها وجهدها وموهبتها، وتتعلم من الغرب المثابرة والتدريب والالتزام من دون أن ينحرف يمينا أو يسارا. وظل مميزا فى رحلته وصعوده الصعب ومميزا فى وطنيته وتعبيره عنها، ومميزا فى إنسانيته وارتباطه بقريته وبلده ووطنه، واستعداده الدائم لتقديم ما فى يديه وقلبه لمن يحتاج، وجهوده الخيرية كثيرة.. ومع كل هذا ارتباطه بابنتيه وزوجته وأسرته فى صورة تلخص لحنا ومشوار حياة وتفوق.