رفعت جبر

بين مطرقة نتنياهو وسندان ترامب.. هل تكسر واشنطن عصب الحياة في طهران؟

الثلاثاء، 26 مايو 2026 10:10 م


تتسارع دقات "ساعة الصفر" المزعومة في أروقة التحليلات السياسية، وسط تقارير تشير إلى أن الولايات المتحدة قد تتجاوز "الخطوط الحمراء" التقليدية (المنشآت النووية) لتستهدف ما هو أعمق وأخطر: العمود الفقري للحياة اليومية في إيران. إن الحديث عن استهداف محطات مثل "دماوند"، "كرمان"، و"رامين" ليس مجرد عمل عسكري، بل هو إعلان عن استراتيجية "الكيّ الوعر" التي تهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط عبر شلّ القدرات المدنية للدولة.

 

تحليل الأهداف: لماذا محطات الكهرباء وليس المفاعلات؟

تعتبر الفرضية القائلة بأن استهداف الكهرباء هو "الهدف الأسمى" منطقية جدًا من المنظور الجيوسياسي للأسباب التالية:
1. تجاوز العقبة النووية: ضرب المنشآت النووية قد يؤدي لكوارث بيئية وإدانة دولية واسعة، بينما ضرب محطات الطاقة يُصنف كـ "بنية تحتية مزدوجة الاستخدام" يمكن تبريره عسكريًا، رغم آثاره الكارثية على المدنيين. ولا يقتصر هذا الاستهداف على النيران التقليدية؛ ففي ظل تقنيات عام 2026، تبرز الهجمات السيبرانية الفيزيائية (Cyber-Physical Attacks) كخيار جراحي لشل توربينات محطة 'رامين' دون إطلاق رصاصة واحدة، مما يقلل الحرج الأخلاقي الدولي. كما أن استخدام أسراب المسيرات (Drones Swarms) الموجهة بالذكاء الاصطناعي يمنح واشنطن قدرة على تدمير المحولات بدقة متناهية، محولةً التكنولوجيا من أداة بناء إلى سلاح لفرض 'الظلام الاستراتيجي".
2. خنق "طريق الحرير" والنمو: إنتاج محطة دماوند (2800 ميجاوات)، كرمان (2000 ميجاوات)، (رامين 1850 ميجا وات) يفوق بكثير قدرة مفاعل بوشهر (1000 ميجاوات). ضرب هذه المحطات يعني إيقاف المصانع، تعطيل الموانئ، وشلّ شبكات النقل، مما يقطع "طريق الحرير" الصيني في حلقته الإيرانية ويحول البلاد إلى منطقة "معزولة تقنيًا".
3. تحييد الحلفاء: بغياب الطاقة، تفقد إيران قدرتها على إمداد حلفائها أو العمل كمركز إقليمي لتصدير الكهرباء، مما يضعف "الدب الروسي" الذي يعتمد على إيران كمنفذ خلفي للالتفاف على العقوبات الغربية. مما يضعف 'الدب الروسي' الذي يعتمد على إيران كمنفذ خلفي للالتفاف على العقوبات الغربية. فالاعتماد الروسي هنا يتجاوز التنسيق الطاقي إلى الاعتماد الوجودي على 'ممر الشمال - الجنوب ' (INSTC) ؛ حيث إن شلّ البنية التحتية الإيرانية يعني تقطيع أوصال هذا الشريان التجاري البديل، وتحويل الطموح الروسي بالوصول إلى المياه الدافئة عبر إيران إلى سراب تقني ولوجستي.

 

الحرية بلس: خنق الموانئ وتحويل إيران إلى جزر منعزلة

وفي تطور دراماتيكي يعكس ذروة التصعيد، يبرز رهان "مشروع الحرية بلس" (Freedom Plus) الذي يقوده ترامب؛ حيث بدأت المدمرات العسكرية الأمريكية بمحاصرة الموانئ الإيرانية ومطاردة ناقلات النفط والغاز، محولةً السواحل الإيرانية إلى "جزر منعزلة" عن العالم. هذا الحصار البحري الخانق يضع طهران أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الرضوخ التام للشروط الأمريكية أو تفجير الوضع العسكري برمته. ومن جهتها، تعتبر طهران أن ملاحقة ناقلاتها واعتراض تجارتها بالمدمرات يمثل إعلان حرب صريحًا، مما يجعل الرهان الآن على من سينكسر أولًا تحت وطأة الحصار أو من سيمتلك الجرأة على إطلاق الرصاصة الأولى التي ستحول الخليج إلى ساحة قتال مفتوحة.

 

التناقض الكبير: جنون نتنياهو وحسابات ترامب

يبرز هنا تناقض صارخ يضع التحالف "الأمريكي-الإسرائيلي" على المحك؛ فبينما يدفع بنيامين نتنياهو بكل ثقله نحو ضربات موجعة تنهي البرنامج النووي الإيراني وتغيّر وجه المنطقة للأبد، يجد الرئيس ترامب نفسه في موقف حرج للغاية. ترامب، الذي يضع عينه على "التجديد للجمهوريين" في الانتخابات القادمة، يخشى أن يؤدي اشتعال حرب إقليمية شاملة إلى قفزة جنونية في أسعار النفط واضطراب الأسواق العالمية، مما قد يقلب الطاولة على حزبه في صناديق الاقتراع. هذا الانقسام يجعل واشنطن تتأرجح بين ضغوط حليفها التاريخي الذي يريد "حسمًا عسكريًا" وبين رغبة الرئيس في "حل صفقاتي" يضمن له الهدوء الانتخابي، مما يطرح التساؤل: هل تنجح فرملة ترامب في احتواء الموقف، أم ينجح نتنياهو في جر المنطقة إلى حرب لا تبقي ولا تذر؟

 

صراع لا يشبه سابقه: النووي مقابل البقاء

إن هذا الصراع الجديد مع أمريكا يتخذ أبعادًا وجودية لا تشبه جولات التصعيد السابقة؛ فالمقايضة المطروحة اليوم خلف الستار هي "الملف النووي مقابل التهدئة" من أجل الحفاظ على تماسك النظام. واشنطن تدرك أن الضغط الاقتصادي الخانق، الممزوج بالانقسام الداخلي المتصاعد وشبح "ثورة الشارع"، قد جعل النظام الإيراني في وضع حرج يسعى فيه للمحافظة على ما تبقى من كيانه. ومن هنا، يأتي التلويح بضرب الكهرباء كأداة ضغط قصوى لإجبار طهران على تقديم تنازلات كبرى في ملفها النووي، تحت وطأة الخوف من انفجار داخلي لا يمكن السيطرة عليه إذا انقطعت أساسيات الحياة عن المواطن الإيراني. إن الرهان الأمريكي على إطفاء الأنوار يتجاوز تعطيل المصانع إلى محاولة التلاعب بـ سيكولوجية الداخل الإيراني. وهنا يبرز تساؤل جوهري تطرحه مراكز الفكر العالمية: هل سيؤدي 'عصر الظلام' إلى تفجير غضب شعبي يطيح بالثوابت، أم سيؤدي إلى 'تأثير الالتفاف حول العلم' (Rally 'round the flag)، حيث يتوحد الشارع خلف قيادته في مواجهة عدوان خارجي يستهدف مقومات حياته الأساسية؟

 

ردود الفعل المتوقعة: سيناريوهات يوم القيامة الإقليمي

في حال أقدمت واشنطن على هذه الخطوة الانتحارية، فإن الردود الدولية والإقليمية ستتحول إلى زلزال سياسي وعسكري مدمر. إيران، التي ستجد نفسها بظهر مكشوف للحائط، ستلجأ إلى "الرد الشامل" مستهدفةً القواعد الأمريكية في الخليج ومحطات تحلية المياه والطاقة في الدول المجاورة تطبيقًا لمبدأ "البادئ أظلم"، مع احتمال إغلاق مضيق هرمز تمامًا لتحويل أزمة الكهرباء المحلية إلى أزمة طاقة عالمية خانقة. وعلى الرغم من محاولات طهران تعزيز الربط الكهربائي الإقليمي مع دول مثل العراق وأذربيجان كشبكة أمان، إلا أن هشاشة هذه الخطوط أمام الاستهداف المركز تجعل من خيار 'البدائل الخارجية' مجرد مسكنات مؤقتة لا تصمد أمام انهيار الشبكة الوطنية الأم، مما يضع العمق الاستراتيجي الإيراني في حالة انكشاف تقني غير مسبوق.


أما على الصعيد الدولي، فإن الصين لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تدمير استثماراتها في "طريق الحرير"، وقد ترد بضربات اقتصادية موجعة تشمل تسريع التخلي عن الدولار أو تقديم دعم عسكري واستخباري فوري لطهران. ومن جانبها، ستستغل روسيا هذا الانشغال الأمريكي لتعميق نفوذها في شرق أوروبا وتزويد إيران بأنظمة دفاع جوي وصاروخي من الجيل الأحدث لضمان استنزاف القدرات الجوية الأمريكية. وأخيرًا، سيواجه العالم الحر وباقي الدول انقسامًا حادًا، حيث ستتعرض واشنطن لضغوط حقوقية هائلة واتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين، مما قد يتسبب في شرخ عميق داخل حلف الناتو وتصاعد الحركات المناهضة للولايات المتحدة عالميًا.

 

الخاتمة: صراع الوجود لا صراع الحدود

إن "ساعة الصفر" التي تلوح في الأفق لا تتعلق فقط بأسلاك النحاس وتوربينات الغاز، بل هي معركة على "السيادة الرقمية والمكانية" في القرن الحادي والعشرين. إذا صحت هذه الفرضية، فنحن أمام محاولة أمريكية لفرض "عصر ظلام" قسري على خصم إقليمي عنيد، لإثبات أن اليد العليا في النظام الدولي لا تزال لمن يمتلك القدرة على قطع "شريان الحياة".
ومع ذلك، فإن اللعب بالنار في قلب محطات الطاقة قد يشعل حريقًا لا يمكن احتواؤه؛ فإيران التي تعيش في الظلام لن تجد ما تخسره، وقد يكون ردها هو "إطفاء الأنوار" عن الاقتصاد العالمي بأكمله عبر ضرب خطوط إمداد النفط والغاز الدولية. إنها مقامرة كبرى، الخاسر الأكبر فيها هو الاستقرار العالمي، والمنتصر الوحيد هو الفوضى التي ستعيد تشكيل خارطة العالم لسنوات طويلة قادمة. إننا أمام صراع تُدار محركاته بـ خوارزميات الحرب السيبرانية، وتُحسم نتائجه بمدى قدرة المجتمعات على الصمود في وجه 'الانقطاع الرقمي والكهربائي' الشامل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة