عاد لبنان للدوّامة القديمة قبل أن يُتمّ ربع القرن خارجها. لم يهنأ بالتحرُّر، وسقطت ورقة التوت عمّن ادّعوا الفضل لأنفسهم، فكان من مُفارقات القدر أن يُعيدوا المُحتلّ باندفاعة داخلية، وأن يتشدّدوا فى التمسك به بإملاء خارجى!
مرّت الذكرى أمس، أحياها الرئيس جوزيف عون برسالة تستعيد الثوابت، وتُشدِّد على البديهيات، لكنها تُلمّح فى جوانب أخرى أضعاف ما تُصرِّح، وتصمت اضطرارًا لأجل السِّلم الأهلى، ورغبة فى احتواء ما يُمكن استدراكه.
أمَّا وكلاء الملالى؛ فكان لهم رأى آخر. استبق الشيخ نعيم قاسم اليومَ بكلمة تحمل من التجبّر أضعاف ما فى قسماته من هشاشة وانكشاف، تُهدِّد بدل أن تُطمئن، وتُقدّم الإنكار على الاعتراف، والتبجُّح على الاعتذار!
وعلى طريقة رمتنى بدائها وانسلّت، يرى العجوزُ أن إقدام الدولة اللبنانية على التفاوض المُباشر مع المُحتلّ؛ إنما يُقدِّم تنازلاتٍ مجّانية لا مُوجِب لها، ويُحسَب على الرضوخ والاستتباع للولايات المُتّحدة، فى مقام يتطلّب الثورية والتمرُّد أيَّا كانت التكاليف.
والشيخ يتلقّى الأوامر رأسًا من طهران، وفى صيغة أسوأ يُنَحَّى جانبًا، ويضع الحرس الثورى يدَه على الميليشيا ومرافقها، ليتّخذ القرارات الميدانية دون تشاور أو مُراجعة.. وهذا مِمّا لا يُسمَّى بغير الاستئجار أو العمالة للأسف.
ولا تُلقَى الاتهامات عرضًا على عاتق الأطهار؛ إذ سبق أن قال الأمين العام الأسبق حسن نصر الله، رحمه الله وغفر له ما جناه على بلده وبيئته، أن الحزب بحاله وماله ورجاله وعتاده وأمره ونهيه وما أمامه أو وراءه من الجمهورية الإسلامية، وإلى المُرشد وتحت قدميه.
تأسّس الحزب قبل أكثر من أربعة عقود، وأعلن عن نفسه فى رسالته الشهيرة «إلى المستضعفين فى لبنان والعالم»، قال فيها إبراهيم أمين السيد إنهم مُلتزمون بأوامر وقيادة الولى الفقيه الجامع للشرائط.
وزاد الرجل لاحقًا، فى حوار مع صحيفة النهار اللبنانية، بتكرار الفكرة نفسها بفجاجة أشدّ؛ عندما صرّح بما لا يحتمل التأويل: «لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران فى لبنان».
وإذ ينسبُ الحزبيون لأنفسهم تحرير الجنوب، ويُجاريهم آخرون من الطينة الأُصولية وغيرها؛ فالواقع أن الانسحاب كان من طرفٍ واحد، دون ترتيبات أو صفقة، وفى سياق تحوّلات إسرائيلية امتدّت من باراك فى 2000، إلى السفاح شارون نفسه فى 2005، بإعلانه فكّ الارتباط مع غزّة وشمالىّ الضفة.
كانت مرحلة شبيهة بسياق التسوية مع مصر عقب هزيمة الصهاينة فى حرب أكتوبر، وذلك عبر صفقة وقّعها بيجين، اليمينى الصقورىّ المُتطرف وربيب العصابات. وتكرّرت مع رابين فى أوسلو، رغم أنه لم يكن حمامةً أو داعية سلام!
وبعيدًا من الجدل فى مسألة انقضى زمنها، وانتهت مفاعليها ولم يبقَ لها أثر؛ فالحزب الذى حرّر كما يرى، أعاد الاحتلال كما رأى الملايين، ويُنكر ما عاينه الناس محاولاً تحميل مسؤوليته لآخرين، ثم يطلب استيفاء المُقابل عن جريمته، وأن يُترَك للتمادى فيها مع مزيدٍ من الشكر والعرفان.
وجّهت الميليشيا طاقة النصر المعنوى عند فاتحة القرن فى اتجاه خاطئ، فتحرّكت بفائض القوّة والعتاد للداخل، وسَعَت لفَرض إرادتها على الجميع، وإعادة تركيب الطائف وميثاقية العيش المشترك على صيغة تمنحها أكثر ممّا تستحق، وتُوظّف وضعها العسكرى للتحصيل السياسى.
واجهت عقبات عِدّة، كان أكبرها رفيق الحريرى؛ فقتله عناصر الحزب بدمٍ بارد، وعقّبوا بعشرات من كلّ التيارات، حتى داخل البيئة الشيعية. وللتغطية على المجازر اخترعوا حرب 2006.
عاش البلد ثلاثة وثلاثين يوما من الجحيم، وخسر مئات القتلى وآلاف الجرحى ومليارات الدولارات؛ ثم خرج «نصر الله» بجُملته المشهورة: «لو كُنت أعلم ما فعلت». إنما ظلّ الاعتذار عالقًا فى حنجرته، والمَنّ على الضحايا بالنزق لم يتغيّر، والتربُّح من مواجع الآخرين، وكُسِرت الدولة ليصعد خطىً إضافية على أطلالها!
حُوربت حكومة السنيورة لأنها تصدّت للدويلة، وأُسقِطت. اقتُحِمَت بيروت بالسلاح، وفُرِض الثلث المُعطّل فى الدوحة، وأُديرت أضخم عملية تشويه وملشنة للبلد ومُؤسّساته، ومَن لا يُقنعه الترغيب يردعه الترهيب، وهكذا سارت الأمور عرجاء، واستفحل الداء مع ميشال عون.
دُفِعت الميليشيا بأمر حرس الثورة لإسناد غزّة؛ فاستُدرج لبنان لمعركة لا ناقة له فيها ولا جمل، وما كان أغناه عنها بعد فاصل طويل من الاستقرار الأمنى، والاختناق الاقتصادى.
كذب الحزبيون وصدّقوا أنفسهم، ووقفت الشعارات الصاخبة فى حَلق الأمين العام التاريخى فقتلته. وقُتِل خليفته قبل أن يجلس على الكرسى أو يتّخذ قرارًا، وجاء الثابت الأقدم بين العمائم، نعيم قاسم، وقد فوّتته المواعيد أربع مرّات؛ ولو صلح للقيادة لأخذها من المبتدا.
يُهدِّد اليومَ بالحرب الأهلية تصريحا وتلميحا، ثم يدعو الناس لنزول الشارع وإسقاط حكومة نوّاف سلام. وكل ما طلبته أن يكون البلد بلدًا، والنظام نظامًا، والسلاح تحت الشرعية، ليضطلع كل طرف بأدواره، ولا يتحمل المجموع خطايا الميليشيا.
ما تحرّر لبنان فى أول الألفية؛ إنما استبدل احتلالاً بآخر. وكما لا تختلف طهران عن تل أبيب، فالضاحية الجنوبية شبيهة بالاثنتين؛ إذ لا ترى إلَّا نفسها، تضع مشروعها فوق الجميع، وتسترخص دماء الأغيار طالما لاحت المغانم، أو كان الفداء من خزائن ثرواتها المسروقة.
عاد تحرير الجنوب، وكان يوبيله الفضى بالسنة الماضية تحت الاحتلال أيضا، واليوم يطغى الدم على الألوان وأرواح البلاد والعباد.
يحقّ الاحتفال بالذكرى، والإيغال فى جُرح تقادم ولم يندمل، لإدانة الاحتلال سابقا وراهنا: المُحتل والذين جلبوه، ومَن يحركونهما.. وهذا تصويب للسردية، وخاتمة تليق دومًا بالوكلاء والطابور الخامس وكل خنجر فى خاصرة وطن!