بيشوى رمزى

العلمين الجديدة.. مساحة تشغيل فى النظام الدولى

الثلاثاء، 26 مايو 2026 12:32 م


إذا كان العالم بات يدار كـ"نظام تشغيل" يقوم على نهج شبكي، تعتمد فيه القوى الدولية على إدارة معسكراتها بأسلوب تطغى عليه التنافسية داخل الشبكة الواحدة، فإن التساؤل لم يعد متعلقا فقط بكيفية إدارة الصراعات، بقدر ما أصبح مرتبطا بالمساحات التي تدار داخلها العلاقات بين أطراف المعادلة الدولية والإقليمية.

ولعل "المساحات" المقصودة هنا لم تعد تأتي في إطارها التقليدي، سواء فيما يتعلق بإدارة التفاوض أو العمليات العسكرية، وإنما امتدت إلى المنصات التي تنطلق منها المشاورات والتفاهمات الدولية، فبينما ارتبط النفوذ السياسي لعقود طويلة بالعواصم التاريخية الكبرى، باعتبارها مراكز القرار والثقل الدبلوماسي، كشفت التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة عن مسار مختلف، لم تعد فيه القوة مرتبطة فقط بالمؤسسات الرسمية، بقدر ما أصبحت تعتمد أيضا على قدرة الدول على إنشاء “مساحات تشغيل” جديدة، تجمع بين السياسة والاقتصاد والإعلام والاتصال الدولي في إطار واحد.

والواقع أن ارتباط العملية التفاوضية بمنصات بعينها سبق أن لجأت إليه القوى الكبرى، التي خاضت مفاوضات حساسة في أماكن بعيدة عن العاصمة السياسية التقليدية، مثل كامب ديفيد في الولايات المتحدة، التي تحولت إلى رمز للتسويات السياسية، أو منتجع سوتشي في روسيا، الذي أصبح أحد المنطلقات المرتبطة بمحاولات موسكو استعادة دورها الدولي.

إلا أن الجديد في هذا الإطار يتمثل في ارتباط المنصات الجديدة بطبيعة النظام الدولي الشبكي، وهو ما يضفي عليها قدرا أكبر من الزخم، في ظل استخدامها لإدارة التفاعلات المرتبطة بالصراع في صورته المستحدثة، حيث تبدو تلك المنصات في حاجة إلى تجسيد حالة التشابك التي تحكم العلاقات داخل الشبكات الدولية، بما يسمح ببناء توافقات تنطلق من قواعد تنافسية أكثر تعقيدا تحكم العلاقة بين أطراف الفريق الواحد، وهو ما يختلف جذريا عن نهج المعسكرات التقليدية، الذي اعتمد على تحالفات أكثر تماسكا وأقل سيولة.

والحديث عن المنصات الدبلوماسية الجديدة يرتبط مباشرة بما يمكننا تسميته بـ"المدن الوظيفية"، والتي تتجلى في نموذج العلمين الجديدة في مصر، والتي تتجاوز في واقع الأمر كونها مشروعا عمرانيا او سياحيا، إلى مساحة مرشحة للقيام بأدوار سياسية واقتصادية وإعلامية تتجاوز حدودها المحلية التقليدية.

والواقع أن المدينة الساحلية، التي تمثل إحدى درر العملية التنموية التي تشهدها مصر خلال العقد الأخير، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد نقطة استقطاب للسياحة والاستثمار، بقدر ما تبدو جزءا من محاولة أوسع لإعادة تموضع الدولة المصرية، ليس فقط في نطاقها الإقليمي المباشر، وإنما داخل دوائر أكثر تشابكا ترتبط بهويتها العربية وعمقها الأفريقي وامتدادها المتوسطي.

وتكتسب هذه المحاولة قدرا أكبر من الأهمية في ظل الطبيعة شديدة السيولة التي بات يتسم بها النظام الدولي، والتي لم تعد تفرض فقط إعادة تقييم أدوار القوى الكبرى، وإنما فتحت المجال أيضا أمام القوى الإقليمية لإعادة صياغة موقعها داخل المعادلة الدولية، عبر أدوات تتجاوز الأبعاد التقليدية للقوة، لتشمل القدرة على إنشاء منصات مرنة قادرة على إدارة التفاعلات السياسية والاقتصادية والإعلامية في آن واحد.

فلو نظرنا إلى طبيعة الفعاليات التي استضافتها المدينة الساحلية، نجد ان ثمة تنوعا لم تحظى به منتجعات أخرى عرفت بأدوار شبيهة، على مستوى العالم، فنجد انها شهدت محاولات لصناعة السلام الأهلى، عندما استضافت وفدي حماس وفتح للتفاوض حول المصالحة، كما استضافت لقاء اخوى عربي مصغر جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نظرائه من الإمارات والبحرين والعراق والأردن لمناقشة ملفات الأمن الإقليمي، والطاقة، والغذاء، والقضية الفلسطينية، والتنسيق العربي المشترك وهو اللقاء الذي يعتبر أول قمة دولية كبيرة تستضيفها المدينة الجديدة.

بينما استضافت المدينة فعاليات أخرى ذات طبيعة ناعمة تمثل انعكاسا للإرث الثقافي والتاريخي، منها انعقاد ملتقى "لوجوس"، برعاية الكنيسة القبطية في 2022، بالإضافة إلى مهرجانات للهجن، ومعارض تراثية وهو ما يعكس حالة من المرونة الوظيفية تتسم بها المدينة، تمكنها من الجمع بين الدبلوماسية التقليدية والناعمة.

وربما تكمن إحدى أهم دلالات العلمين الجديدة في أنها لا تبدو امتدادا تقليديا للعاصمة السياسية، بقدر ما تمثل مركزا مرنا موازيا، يسمح للدولة المصرية بإدارة جزء من تفاعلاتها الإقليمية والدولية داخل بيئة أكثر انفتاحا وقدرة على الدمج بين الأدوات المختلفة للتأثير، فالقاهرة تظل مركز الثقل التاريخي والسياسي للدولة، بينما تتحرك العلمين في مساحة مختلفة، أقرب إلى نموذج “المنصات” التي تجمع بين السياسة والاستثمار والإعلام والثقافة والسياحة في إطار واحد.

وربما يعكس ذلك تحولا أوسع في طبيعة إدارة النفوذ داخل النظام الدولي، الذي لم يعد يعتمد فقط على العواصم التقليدية أو المؤسسات الرسمية، بقدر ما أصبح أكثر احتياجا إلى مساحات مرنة قادرة على استيعاب التداخل بين الدبلوماسية والقوة الناعمة وحركة النخب الدولية. وهو ما يمنح بعض المدن الجديدة أدوارا تتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة، لتتحول تدريجيا إلى أدوات لإعادة التموضع وبناء التأثير داخل شبكات العلاقات الإقليمية والدولية.

وهنا يمكننا القول بأن العلمين الجديدة  ليست مجرد مشروع عمراني أو واجهة سياحية على البحر المتوسط، بقدر ما تعكس محاولة لبناء "منصة هجينة" تجمع بين الوظائف السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية في آن واحد، بما يتناسب مع طبيعة النظام الشبكي الذي باتت تدار من خلاله العلاقات الدولية، حيث لم تعد الجغرافيا مجرد مساحة ثابتة، وإنما أداة لإعادة إنتاج الدور والنفوذ والمكانة الدولية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة