بين أجواء البهجة والزيارات العائلية، التي يحرص الجميع عليها خلال أيام عيد الأضحى المبارك، يلجأ البعض إلى القراءة التي تعد من أجمل الرفقاء لالتقاط لحظة هدوء مختلفة، ويرجع تاريخ الكتابة والقراءة بوجه عام إلى آلاف السنين فلم يكن المصري القديم منشغلًا فقط ببناء المعابد والأهرامات، بل عرف أيضًا فن الحكاية ونسج القصص التي حملت خياله ومعتقداته وتجارب حياته اليومية، ففي عصر الدولة القديمة ظهرت البدايات الأولى للسرد الأدبي، حيث امتزجت الأسطورة بالحكمة، والواقع بالخيال، لتكشف هذه القصص عن مجتمع امتلك حسًا فنيًا وإنسانيًا مبكرًا، جعل من الكلمة وسيلة لحفظ الذاكرة والتعبير عن الروح المصرية القديمة، ونتوقف اليوم مع قصة سنوهيت كما ذكرها عالم المصريات الكبير سليم حسن.
قصص الدولة الوسطى ناضجة
يقول سليم حسن في موسوعة مصر القديمة الجزء السابع عشر: الأدب المصري القديم: في القصة والحكم والأمثال والتأملات والرسائل الأدبية، وفي فصل بعنوان "القصص المصري"، القصص التي وصلت إلينا من عهد الدولة الوسطى قصص ناضجة تدل على أن هذا الفن بلغ في عهد هذه الدولة ذروته، وإن كان قد أخذ في الهبوط بعد ذلك، كما أن سائر ألوان الأدب التي تُنسَب إلى هذه الدولة كاملة النمو أيضًا، وليس من الطبيعي أن يُولَد الشيء ناميًا كاملًا، بل من الطبيعي أن يُولَد طفلًا، ثم يصعد في معارج النمو حتى يستوي خلقه وتكمل بهجته في ربيع شبابه، فأدب الدولة الوسطى جاءنا كالشعر العربي الجاهلي محكم النسج، راقي المعنى، تام النمو؛ فلا بد أنه بدأ مثله بمحاولات ناقصة، أخذت ترقى وتتم على مر الزمان. وإذا عرفنا أن عهد الدولة القديمة بين الأسرة الرابعة والسادسة عهد ازدهار في العلم والفن، من رياضة، وطب، وعمارة، ونحت، وتلوين؛ ما تردَّدنا في أن نقطع بأنه كان للأدب أيضًا في عهد الدولة القديمة شأن؛ لأنه فن، ولما بين الفنون من تجاوبٍ وصِلَةٍ مرجعهما نضج العقل والذوق، ومما يقوي صحة هذه النتيجة أن المصريين أنفسهم في عهد الدولة الوسطى كانوا ينسبون ما اشتهر من حِكَمهم وأمثالهم إلى حكماء الأسرة الخامسة.
قصة سنوهيت
أُلِّفت هذه القصة الطريفة في أوائل الأسرة الثانية عشرة حوالي سنة 2000 ق.م، وقد ذاع صيتها ولقيت رواجًا عظيمًا، وظلت تُنسَخ وتُقرَأ نحو 500 سنة في المدارس المصرية، وقد روى «سنوهيت» هذه القصة بصيغة المتحدث عن نفسه، وملخصها: أنه كان عائدًا من غزو ضد اللوبيين بقيادة ولي العهد «سنوسرت الأول»، فحدث في تلك الأثناء أن مات الملك «أمنمحات» الأول، ونعاه الناعي إلى «سنوسرت» فترك الجيش، وخفَّ مسرعًا إلى العاصمة ليطمئن إلى عرشه الذي آلَ إليه، ولكن أمر الوفاة كان قد ذاع بين الأمراء المرافقين للحملة، وسمع به «سنوهيت» خلسة، فما كان منه إلا أن فرَّ هاربًا إلى سوريا لأسباب غامضة لم يستطع هو أن يجد لها تعليلًا مقبولًا، وقد أحسن استقباله هناك أحد رؤساء القبائل، وزوَّجه؛ فأصبح رب أسرة، وصارَعَ أحد رؤساء العشائر السورية المعادية فصرعه وجدَّ له، وبعد فترة طويلة عاوده الحنين إلى وطنه، وتاقت نفسه للرجوع إلى مصر ليكون في خدمة مولاه الملك الذي ظلَّ مخلصًا له طول حياته، وليلقى ربه، ويُدفَن في البلد الذي وُلِد فيه وترعرع، ولما سمع الملك بآلامه وأحلامه عفا عنه، وأعاده إلى منصبه في الحكومة، وسمح له أن يعود إلى وطنه معزَّزًا مكرَّمًا ليقضي ما بقي له من أيام تحت سمائه.