عصام خليل

قبل حلول ذكرى 30 يونيو.. كيف نجت مصر من مصير الفوضى؟

الإثنين، 25 مايو 2026 09:16 م


لم تكن السنوات التي عصفت بالمنطقة العربية مجرد موجة اضطراب سياسي عابرة، وإنما كانت لحظة تاريخية فارقة اهتزت خلالها فكرة الدولة الوطنية ذاتها؛ دول سقطت من الداخل، وجيوش تآكلت، ومجتمعات تمزقت تحت وطأة الفوضى والاستقطاب والتدخلات الخارجية، حتى بدا المشهد وكأن المنطقة بأكملها تُعاد صياغتها على أنقاض مؤسساتها التاريخية وحدودها السياسية.

وفي قلب هذا المشهد المضطرب، برز السؤال الأهم والأكثر خطورة: كيف نجت مصر؟ كيف استطاعت الدولة المصرية أن تعبر واحدة من أخطر المراحل في تاريخها الحديث، بينما كانت خرائط كاملة حولها تتآكل، وعواصم كانت تمثل مراكز ثقل عربي تتحول إلى ساحات صراع مفتوحة؟!

ذلك السؤال لم يعد مجرد مادة للتحليل السياسي، بل أصبح مدخلًا لفهم طبيعة ما جرى منذ ثورة 30 يونيو، وكيف تحولت معركة استعادة الدولة من خيار سياسي إلى معركة وجود وبقاء وطن.

فما شهدته مصر آنذاك لم يكن مجرد خلاف سياسي أو تنافس تقليدي على السلطة، كما حاول البعض تصويره، وإنما كان جزءًا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه حسابات النفوذ الدولي مع مشاريع الفوضى المنظمة، وتتصارع داخله قوى أرادت إعادة تشكيل المنطقة عبر إضعاف الدول الوطنية وإسقاط مؤسساتها التاريخية.

كانت المنطقة تتحرك فوق أرض رخوة؛ اقتصاديات تنهار، وحدود تهتز، وجيوش تُستنزف، وخطابات أيديولوجية تدفع المجتمعات إلى الانقسام الحاد.

في قلب هذه اللحظة، برزت جماعة الإخوان الإرهابية باعتبارها أحد أخطر الأطراف التي حاولت إعادة تعريف العلاقة مع الدولة الوطنية، من خلال مشروع يقوم على فكرة التنظيم والتمكين لا مفهوم الدولة الجامعة، الأمر الذي عمّق حالة الاستقطاب، ودفع البلاد إلى مسار شديد الخطورة في توقيت كانت فيه المنطقة كلها تعاني موجات تفكيك ممنهج لمؤسساتها الوطنية.

ومن هنا جاءت ثورة 30 يونيو باعتبارها لحظة إنقاذ تاريخية للدولة المصرية، لا مجرد انتقال للسلطة أو تغيير لمعادلات الحكم.

فقد أدرك المصريون، بوعيهم الجمعي المتراكم عبر آلاف السنين من بناء الدولة، أن ما كان يُحاك لمصر تجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي، ليصل إلى تهديد مباشر لهوية الدولة الوطنية ومؤسساتها ووحدة نسيجها الاجتماعي، ومحاولة دفعها إلى مسار يفرغ مفهوم الدولة من مضمونه التاريخي ككيان وطني جامع لكل أبنائه.

ولهذا لم يكن خروج الملايين إلى الشوارع مجرد احتجاج سياسي، وإنما كان إعلانًا شعبيًا حاسمًا برفض اختطاف الدولة أو دفعها نحو مسارات الفوضى والانقسام.

لقد خرج المصريون دفاعًا عن وطنهم، وعن حق مصر في أن تبقى دولة موحدة مستقرة تمتلك قرارها الوطني، لا ساحة مفتوحة للتجاذبات والصراعات والمشروعات العابرة للحدود.

وباعتباري أحد الذين عاشوا تفاصيل تلك اللحظات بكل دقتها وتوترها، وكنت حينها أمينًا عامًا لـ حزب المصريين الأحرار، الذي كان حاضرًا وفاعلًا ومؤثرًا في قلب هذا المشهد الوطني، أستطيع أن أقول بثقة إنني لم أشك لحظة واحدة في قدرة المصريين ويقظتهم التاريخية.

لقد كان الشعب المصري يدرك، بفطرته الوطنية ووعيه العميق، أن المعركة لم تكن سياسية بالمعنى التقليدي، وإنما كانت معركة دفاع عن هوية وطن وتاريخ دولة ومستقبل أمة.

لقد كتب المصريون الأحرار في تلك الأيام فصلًا استثنائيًا من التاريخ، عنوانه أن الهوية الوطنية الأصيلة قادرة على الانتصار مهما تعددت أدوات الشر، ومهما حاولت الجماعات الإرهابية والتنظيمات الظلامية فرض واقع الفوضى والخوف.

فمنذ اللحظات الأولى لمخاض الثورة، وحتى اكتمال مشهدها الوطني العظيم، ظل المصريون متمسكين بدولتهم، مؤمنين بأن مصر أكبر من كل المؤامرات، وأقوى من كل محاولات الاختطاف والانقسام.

وقد نجحت الثورة، بفضل الله أولًا، ثم بصلابة الشعب المصري العظيم، وبوجود رجل أدرك خطورة اللحظة التاريخية، وتحمل مسؤولية البلاد كان يقف على حافة المجهول، فاستحق عن جدارة أن يكون “عزيز مصر” بحق، وهو السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي انحاز إلى إرادة شعبه، وحمل على عاتقه مسؤولية استعادة الدولة وحماية مؤسساتها الوطنية من السقوط والانهيار.

ولأن طبيعة الصراعات في العالم تغيّرت، لم تعد معارك الدول تُحسم فقط بالسلاح أو المواجهات العسكرية المباشرة، بل أصبحت تُدار عبر أدوات أكثر تعقيدًا وتأثيرًا؛ استنزاف اقتصادي، وضغوط مالية، وحروب معلومات، ومحاولات متواصلة لإضعاف مؤسسات الدولة وإرباك قدرتها على الصمود.

ومن هنا أدركت الدولة المصرية أن معركة البقاء في القرن الحادي والعشرين لا تقل قسوة عن الحروب التقليدية، وربما تفوقها خطرًا وتأثيرًا.

ولهذا كان لزامًا على مصر أن تخوض مسارًا بالغ الصعوبة لإعادة بناء قدرتها الذاتية، ليس فقط عبر استعادة الاستقرار الأمني، وإنما من خلال تأسيس دولة قادرة على الاحتمال والاستمرار.

فجاءت مشروعات البنية الأساسية العملاقة، وتطوير شبكات الطرق والطاقة، والتوسع في مشروعات الزراعة والأمن الغذائي، وبناء المدن الجديدة، وتعزيز قدرات الجيش الوطني، باعتبارها جميعًا مكونات متكاملة لمعركة حماية الأمن القومي بمفهومه الشامل.

فالدولة الحديثة لم تعد تُقاس فقط بقوة جيوشها، وإنما أيضًا بقدرتها على تأمين احتياجات شعبها، وحماية مقدراتها، وامتلاك القدرة على مواجهة الأزمات دون أن تنهار تحت وطأة الضغوط.

وفي خضم هذه التحديات، برز دور السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي باعتباره قائدًا حمل على عاتقه مسؤولية إعادة تثبيت أركان الدولة المصرية في لحظة كانت المنطقة كلها تميل فيها إلى الاضطراب والانهيار.

فمنذ اللحظة الأولى، لم تكن المعركة بالنسبة إليه مجرد إدارة مرحلة انتقالية، وإنما كانت معركة استعادة دولة، والحفاظ على مؤسساتها الوطنية، ومنع انزلاقها إلى المصير الذي واجهته دول أخرى فقدت توازنها تحت ضغط الفوضى والإرهاب والصراعات الداخلية.

وقد قامت الرؤية التي تبنتها القيادة السياسية على إدراك عميق لطبيعة التهديدات الجديدة، وأن بناء الدول لا يتحقق بالشعارات أو الحلول المؤقتة، وإنما ببناء قدرة حقيقية على الصمود والاستمرار.

وشهادة للتاريخ دفع المواطن ثمنًا اقتصاديًا صعبًا في بعض الملفات، إلا أن ما أثبتته السنوات الماضية هو أن الرهان كان على بناء دولة تتحمل الصدمات قبل البحث عن الرفاهية السريعة؛ لأن تجارب المنطقة أكدت أن الأوطان حين تسقط تحت وطأة الفوضى والانهيار، تصبح استعادتها أكثر كلفة وأشد قسوة على الشعوب.

كما لا يمكن قراءة مشهد صمود الدولة المصرية بمعزل عن الدور الوطني التاريخي الذي قامت به القوات المسلحة المصرية، والتي وجدت نفسها في لحظة فارقة أمام مسؤولية تتعلق بحماية الدولة ذاتها، لا مجرد إدارة أزمة عابرة.

فقد انحازت القوات المسلحة إلى الإرادة الشعبية، ووقفت سدًا منيعًا أمام محاولات دفع البلاد نحو الفوضى والانهيار، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد سقوط جيوش وطنية وتفكك مؤسسات ودخول دول بأكملها إلى دوائر الصراع المفتوح.

ولم يكن هذا الدور منفصلًا عن مؤسسات الدولة الوطنية للحفاظ علي البلاد من انياب الذئاب، فضلًا عن وعي الشعب المصري بطبيعة اللحظة التاريخية التي كانت تمر بها البلاد؛ إذ أدركت الجماهير أن الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية الوطنية يمثل أحد أهم ضمانات بقاء الدولة واستقرارها.

ومن هنا جاءت مساندة المصريين لقواتهم المسلحة باعتبارها تعبيرًا عن وعي عميق بأن الجيوش الوطنية ليست مجرد أدوات دفاع، وإنما هي الحصن الأخير الذي يحمي هوية الأوطان ووحدة أراضيها ومقدرات شعوبها حين تتعرض الدول لرياح التفكيك والانهيار.

واليوم، ومع اقتراب ذكرى ثورة 30 يونيو، تبدو الحقائق أكثر وضوحًا وهدوءًا مما كانت عليه وسط صخب تلك اللحظة التاريخية. فالقضية لم تكن يومًا مجرد صراع على السلطة أو تنافس سياسي محدود، وإنما كانت معركة تتعلق ببقاء الدولة المصرية نفسها؛ بهويتها الوطنية، ومؤسساتها، وقدرتها على الاستمرار وسط إقليم كان ينهار جزء كبير منه تحت وطأة الفوضى والصراعات والانقسامات.

وبعد سنوات من الضغوط الاقتصادية والتحديات الإقليمية غير المسبوقة، نجحت الدولة المصرية في استعادة جانب معتبر من ثقلها الإقليمي وحضورها الدولي، وفرضت نفسها طرفًا رئيسيًا في معادلات المنطقة وقضاياها الكبرى، مستندة إلى دولة متماسكة ومؤسسات استطاعت الصمود في وجه عواصف كان من الممكن أن تعصف بكيانات أكبر وأكثر استقرارًا.

وربما يبقى الدرس الأهم في كل ما جرى، أن الدول لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا، وإنما قد تنهار حين تفقد قدرتها على التماسك الداخلي والصمود تحت الضغط.

أما مصر، فقد اتخذت في 30 يونيو قرارها التاريخي بالانحياز إلى الدولة الوطنية، ولذلك بقيت واقفة بينما كانت خرائط كثيرة حولها تتغير وتسقط.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة