دائما ما يعلم المخرج جاي ريتشي مايريده تماما من نوعية الفيلم الذي يصنعه، وهو ما تكرر معه في فيلمه الأخير In the Grey والذي يعرض حاليا بدور العرض المصرية، بالفكرة الأساسية للفيلم التي تحمل بصمته المعتادة، من خلال فريق سري يعمل في الظل يُكلَّف باستعادة ثروة مسروقة تبلغ قيمتها مليار دولار من طاغية خطير، لكن المهمة سرعان ما تنحدر إلى سلسلة من الخيانات المتبادلة، والأجندات الخفية، والعنف المتصاعد.
الحبكة نفسها ليست أصلية بشكل خاص، لكن الفيلم ينجح بفضل طاقته، والكيمياء بين أبطاله، وثقته بنفسه، فهو يعلم ما يريد أن يصنعه، ونادرًا ما يضيع الوقت في التظاهر بغير ذلك، حيث يبدو في هذا الفيلم وكأنه عودة متعمدة إلى نوعية أفلام الأكشن القوية التي كانت تهيمن على أرفف الـ DVD الشهيرة، وصالات السينما المزدحمة في أوائل الألفينات.
فالفيلم أنيق، صاخب، وفوضوي أحيانًا، وغير مهتم تمامًا بالتظاهر بأنه أعمق من مجرد فيلم جريمة وإثارة سريع الإيقاع يضم أشخاصًا جذابين يوجهون الأسلحة إلى بعضهم البعض عبر مواقع تصوير خلابة، وفي الحقيقة، هذا يصب في مصلحته في أغلب الأحيان.
وشكل كل من هنري كافيل وجيك جيلينهال ثنائيًا ممتعًا في دور "سيد" و"برونكو"، وهما خبيران في عمليات الاستخراج يقضيان معظم أحداث الفيلم متنقلين بين الفكاهة الجافة أحيانا والأكشن العنيف، ويبدو كافيل على وجه الخصوص في مكانه تمامًا داخل هذا النوع من الأدوار، فهناك كاريزما هادئة ترافقه طوال الفيلم، وكأنه كان ينتظر منذ سنوات فيلمًا يسمح له بأن يبدو رائعًا ببساطة، من دون أن يغرقه في الأساطير أو أعباء السلاسل السينمائية الضخمة.
أما جيلنهال، فيضيف طابعًا أكثر توترًا واضطرابًا، مانحًا شخصية "برونكو" قدرًا من عدم التوقع يمنعه من أن يبدو مجرد بطل أكشن آخر كثير المزاح، لكن اللافت الحقيقي في الفيلم هي إيزا جونزاليز في دور "رايتشل وايلد"، فهي تخطف الفيلم بالكامل كلما ظهرت على الشاشة، حيث تبدو ذكية، واثقة، وتتمتع بجاذبية طبيعية بدون مجهود، وقد أضفت روحًا حقيقية على مشاهد كان من الممكن أن تكون مجرد استعراض للمعلومات وإطلاق نار، فهناك سحر نجوم السينما الكلاسيكي في أدائها هنا، وهو ما يرفع مستوى العمل بأكمله، ومن الواضح أن ريتشي يدرك ذلك جيدًا، لأن الفيلم يبدأ تدريجيًا في الدوران حول حضورها كلما تقدمت الأحداث.
خلال الجزء الأول من الفيلم، يبدو الفيلم مرتاحًا أكثر من اللازم مع نفسه، فهناك الكثير من الأناقة، والكثير من الحوارات الذكية، وما يكفي من الثقة في الأسلوب لإبقاء المشاهدة ممتعة، لكن الإيقاع يبطأ أحيانا، ولا يبدأ الفيلم في الانفجار بالحياة فعلًا إلا خلال النصف ساعة الأخيرة.
فبمجرد انطلاق مهمة الإنقاذ، يتحول الفيلم إلى ما كان الجمهور يأمل على الأرجح في مشاهدته منذ البداية، مشاهد إطلاق النار تصبح فوضوية وعنيفة، والخيانات تتوالى بسرعة، ويعود ريتشي أخيرًا للاعتماد الكامل على مزيج الكوميديا والعنف الذي جعل أفلامه الإجرامية القديمة ممتعة إلى هذا الحد.
تُعد الفكاهة أيضًا من نقاط القوة الواضحة في الفيلم، فالحوار مليء بالتبادلات اللاذعة والتعليقات الساخرة السريعة التي تمنع الفيلم من أن يأخذ نفسه بجدية مفرطة، وحتى خلال مشاهد الأكشن الثقيلة، يظل هناك دائمًا إحساس بأن الشخصيات تستمتع بما تفعله، وهو شعور ينتقل تدريجيًا إلى المشاهد.
ومع ذلك، يظل الفيلم خشنًا بشكل واضح في بعض جوانبه، فالترابط بين المشاهد يبدو متقطعًا أحيانًا بصورة مشتتة، إذ تبدو بعض اللقطات وكأنها قُصّت أو أُعيد ترتيبها بطريقة يصعب تجاهلها، كما تتغير دوافع بعض الشخصيات فجأة من دون تفسير كافٍ، بينما تظهر بعض الخطوط الدرامية وتختفي بسرعة لدرجة أنها بالكاد تترك أثرًا. وهذا يوحي بقوة بأن الفيلم خضع لعمليات مونتاج كبيرة من أجل ضغطه داخل مدة عرض تقارب التسعين دقيقة، وربما كانت إضافة عشرين دقيقة أخرى ستساعد فعلًا في جعل العمل أكثر سلاسة وتماسكًا.
قد يكون الفيلم تقليديًا إلى حد ما، كما أن مشاكل المونتاج فيه يصعب تجاهلها، لكن الأداءات التمثيلية، والفكاهة، والفصل الأخير القوي تجعل التوصية به سهلة لمحبي أفلام الأكشن والإثارة الكلاسيكية.