الكوميديا والمفارقة مضفورتان فى جديلة. ولا صيغة أقدر على كسر التوقُّع وتوليد المُتناقضات، من أن تضع عقلين من طينة واحدة، على طرفَى نقيض!
ترامب وخامنئى/ الأب والابن، حال كان الصغير حيًّا. كأن الدراما تُخرج لسانها للجميع، وتنتدب أسوأ الممثلين؛ للاضطلاع بالبطولة فى عرضٍ يدوس على أعصاب العالم، ويعتصر سلامَه الهشّ!
اقتراب من صفقة؛ فابتعاد إلى مُبتدأ النزاع، وأعلى صور التهديد والوعيد. كلاهما عاجز عن الحسم، زاهد فى التسوية، ورافض لقسمته من ذبيحة الهزيمة ودخان النصر.
وليس فى الجديد ما يختلف عن سوابقه، أو يُعزّز الإقبال وتضاعيف الحماسة؛ إذ الأمر لا يتخطّى استراحة المُحارب بين جولتين، عن وَهَنٍ وانضغاط، لا عن تصالح مع حقائق الميدان.
وعليه؛ فلا أنشغل بالشروط التى اتُّفِق عليها اليوم، وهل أقل أو أكثر من أمس. إذ التناقض بنيوىّ عميق، وليس الخلاف على ضبط النص إملائيًّا، أو اصطدام العدوَّين فى نهر الطريق.
للراحل ألفريد فرج مسرحية اسمها «جواز على ورقة طلاق»، تتبحّر فى الاجتماع والسياسة بنعومة خادعة، وأهم مفارقاتها شعرية التسمية، عن أبنية لا تُقام إلا لكى تُهدَم.
يُشبه ذلك ما حَدَّث به أمل دنقل فى قصيدة «يوميات كهل صغير السن»، عن أن «القوانين تُسَنّ دائمًا لكى تُخرَق»، ويصح مع الاتفاقات أيضًا؛ لا سيما لو أُبرِمَت بنوايا مُسبقة، وبين غُرماء يتحيّن أحدهما فرصة النقض أو الانقضاض.
واليأس لا يمنع الابتهاج بكل ساعة دون قصفٍ وموت، وبانفراج أسارير المنطقة، وأن تتّسع رئتها لهواء نظيف؛ ولو لأيامٍ مقضىّ فيها بالاحتيال أو النكوص!
غير أن الأمل محكوم بالتعقّل؛ إن كان صاحبه لا يروم انخداعًا أو توهُّمًا وإقامة على التعلّة بالمُنَى.
ما يُوجِب النظر لأية تهدئة ظرفية من زاوية الحاجة، وشراء الوقت، وترحيل الضغوط لتتباعَد عن بعضها، أى إنها إدارة وحلحلة، وليست حلًّا أو تسوية!
اتّسع الشرخ بين إيران وجيرانها العرب؛ ويظل أضيق ممّا عليه الشِّقاق مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وإذا استعصى الوئام على طرفى المُعادلة الأُولى؛ فإنه أكثر استعصاء فى الثانية، يصعُب الجَزم به، أو الارتياح إليه، ولعلّه إلى الاستحالة أقرب من الإمكان.
فرضت الجغرافيا قانونها على ضفّتَى الخليج، وظل التاريخ يمكُر بهما معًا.
امبراطورية توسّعت على أشلاء قوى كبرى، ثم من نَكَد الدنيا أن ورثها البدو، هكذا ترى الشوفينية الفارسية، ومعهم عقيدة وحّدت الضدَّين شكلاً، وعمّقت صراع المضمون، بدءا بالعرق، وإلى ترشيق نزعة الشعبوية وتأطيرها فى مذهبٍ دينىّ.
يفصلنا الماء، وتجمعنا السماء. والفروق طفيفة طفيفة؛ حتى تكاد لا تُذكَر. ولا أتحدث عن المُتطرفين على الناحيتين؛ إنما عن النبع الواحد، والجوهر المُحبَّر فى الأدبيات، بمعزلٍ عن فتنة السياسة والحُكم من زمن الراشدين حتى الآن.
نقترب من سبعة عقود على فتوى شيخ الأزهر محمود شلتوت، بجواز التعبُّد على المذهب الاثنى عشرى/ الجعفرى، وهو الغالب على إيران عددًا، والرسمىّ بالدستور.
جاءت الخطوة ضمن جهود التقريب بين المذاهب، وارتأى الفقيه فيها حرية التقليد فى العبادات والمُعاملات، وغيبة الخلاف مع مذاهب أهل السنّة.
وبعيدًا من تفاصيل لا يستوعبها المقام، والجدل بشأن الحطّ من بعض الصحابة أو التعريض بهم؛ فأبرز نقاط الخلاف التى قد يتوقّف أمامها «الرافضة» على الجانبين ما يتّصل بزواج المُتعة مثالاً.
والقضية جدليّة حتى لدى السنّة؛ إذ يُختَلَف فى مرّات تشريعها وتحريمها، ويقع لغط كبير بشأن التمتُّع قبل الفتح وبعده، وسوى ذلك من فرعيّات خارج موضوعنا الراهن.
والعلاقة بالتعريف؛ ارتباط موقوت، أى بعقدٍ يُحدِّد المُدّة والمهر، وينقضى مُباشرة ببلوغ الأجل دون حاجة للتطليق؛ فكأنها إجارة أو انتفاع، وتلك عُقدة الخلاف ومربط خيول المُختلفين.
والنفس السويّة لا تستسيغ المسألة؛ لا سيما مع إفراط البعض فيها بالقول إن أدناها «مرّة»، والتساهل فى الاعتداد.
ومن المفارقات؛ ما تردّد بالتزامن مع الحرب الأخيرة، عن قصة عميلة أجنبية اخترقت المُجتمع، وتزوّجت عشرات المسؤولين والوجهاء زيجات مُتعة، تحصّلت منها طوال سنوات على كنز من الأسرار.
وبعيدًا من صحّة الرواية؛ فمقدار الانكشاف الذى رأيناه، ينُمّ عمّا يتخطّى ثغرة المُتعة، ويحوّلها لزيجاتِ ألمٍ وعذاب.
أيّة صفقة وشيكة ستكون عقد استمتاع مُؤقّت بالسلام، على نيّة الانفصال؛ لأن الشهوة حاكمة، وقضاء الوطر لن يتحقق بالدّعة والهدوء!
إيران تضرَّرت بعمق، وتبحث عن فُسحة للتعافى. ترامب يمتص تداعيات المغامرة، ويستدرك خطايا الانجراف وراء نتنياهو، سعيًا لتمرير كأس العالم ثم الانتخابات النصفية.
ستون يومًا ستكون فرصة لاختبار النوايا، ومجالاً للتلوّن هنا وهناك، وأن يروغ الملالى وجنرالاتهم كعادتهم، كما يروغ الثعلب.
رهان ترامب على ارتداع طهران، والأخيرة تُجدد شرعية الثورة بعدما تآكلت، وصار النووىّ شرطًا للتجديد، ورهانها على خسارة الجمهوريين، ما يُحوّل المسألة لدى الرئيس إلى ثأرٍ، لن يعدم الطُّرق لاستيفائه رغم القانون.
سلام مُتعة، لا يختلف عن زواج المُتعة. عقدُ تهدئة فرضته الظروف، وفيما يُوقّع كلُّ طرفٍ نسختَه بيدٍ، يُخبّئ البندقية وراء ظهره فى الأخرى!