حازم حسين

عالميّة الإخفاق ولُغته الواحدة

الأحد، 24 مايو 2026 02:00 م


أخذ الملالى إيران من حال سيئة لِمَا هو أسوأ بكثير. لم تكن مثالية فى زمن الشاه، أو على المستوى اللائق بها تاريخًا وإمكانات، لكنها اليوم أبعد من المقارنة بما كان أقل من المُمكن والمأمول قبل نصف القرن.


والمسألة تتخطّى فاقد الثروة والمكانة، وضمور الثقافة والذخيرة الحضارية للهضبة الفارسية؛ إلى «تكلفة الفرصة البديلة» بمفاهيم الاقتصاد، أى ما كان يُمكن أن تصير عليه الدولة؛ لو أنها مَشَت صوب النمو والإصلاح والمدنية الناضجة فى مسار طبيعى طوال العقود الماضية.


وبدلاً من الاستدراك، أو حتى البكاء على الأطلال؛ تواصل التردّى من الهاوية بيقين صُلب، ومن دون هامش للتعقُّل، أو اعتبار لفضيلة المُراجعة والاعتراف بالخطأ.


وإذ تخوض حربًا مجّانية تمامًا فى الوقت الراهن؛ فإن غريمها على الجانب الآخر من الطينة نفسها.
جرّ الولايات المُتحدة عنوة إلى أهوائه الخاصة، وعرّضها لامتحانات ما كان يحسُن بها أن تتعرّض لها، لا سيّما أنها فقدت كثيرًا من وهجها القديم، وعلى أبواب صراع مع مُنافس أكثر عافية وخيالاً.


فعل ترامب بالدولة الأمريكية خلال سنة ما لم يفعله أى سلفٍ له فى ولاية كاملة، وربما ما يفوق جناية الولى الفقيه على طهران فى الفترة الزمنية نفسها.
ولو أننا مددنا الخطّ على استقامته، وافترضنا إمكانية أن يبقى الرئيس فى البيت الأبيض، كما بقيت الثورة الإسلامية ومُرشدها الأعلى؛ فالغالب أنها سيتركها بعد سبع وأربعين سنة أسوأ كثيرًا، بالقياس إلى نقطة البداية لدى البلدين!


والسبب واحد فى الحالين؛ بالرغم من اختلاف الطبيعة والسياقات. إنه افتقاد حساسية النجاح والفشل، غياب شجاعة المواجهة، والإغراق فى خيارات رديئة؛ حتى بعد أن تتكشّف سلبياتها ومقدار ما تنطوى عليه من تداعيات أردأ.


تجربة شبيهة عاشتها واشنطن مع جورج بوش الابن، ضيّعت فيها آلاف الأرواح وتريليونات الدولارات فى أفغانستان والعراق، وما أجهزت على الإرهاب أو استنبتت الديمقراطية فى تُربة البلدين. وقبلهما تجارب أخرى فى فيتنام وكمبوديا وشبه الجزيرة الكورية وغيرها.


تكلّفت كثيرًا جرّاء الإخفاق، وكُلفة المكابرة فى إنكاره أكبر. مُتوالية يشدُّ بعضها بعضًا؛ كسلسلة خسائر تُطوّق لاعبًا على طاولة المُقامرة، يفتتحها طامعًا فى الربح، ثم يتعثّر بلا توقُّف فى أوهام التعويض الوشيك!


تجرّع الخُمينى كأس السمّ بعد ثمانى سنوات من الحرب مع نظام صدّام حسين، وما اتّعظ ورثته ولا استوعبوا الدرس.
والحصيلة اليوم: فشل فى الداخل والخارج، وأموال طائلة أُنفقِت دون عائد، محور يتداعى، وميليشيات تفقد قدرتها على الردع المتقدم، أو استبقاء نفسها بمأمن، وتُضاعف العبء على بيئاتها ودُوَلِها الحاضنة.


الطوفان خطيئة «حماس» التى ما كان ينبغى ارتكابها، وما تزال مُصرّة عليها بغباء يزيد الخسائر ولا يُبشّر بتعافٍ وشيك. وإسناد حزب الله لغزّة أوّلاً، ثم لإيران ثانيًا، ومُغامرة بعض أطياف الحشد الشعبى من بلاد الرافدين، فيما كانت إسرائيل تنصبُ قاعدة عسكرية «سريّة» فى صحراء النجف.
حالة نفسية تتسلّط على الأرواح والعقول، وتعمل بالآلية ذاتها. لا فارق بين بلد وعُصبة، أو بين جماعة وفردٍ.


نسخة منها فى السودان؛ إذ يستثمر مُغرضو الخارج فى ميليشيا الدعم السريع، مع استحالة أن تُمسِك بخناق البلد كاملاً، أو يتبقى لها بعد النزق ما يُفيد المُموّلين. وكذلك ليبيا؛ وقد توزّعت بين ملوك الطوائف كحال الأندلس قديمًا، وتتضخّم حسابات الأفراد، فيما يتضاءل رصيد الوطن!


ولا يبتعد كثيرًا عن هذا، أن تجد غُلافًا لمجلة صادرة عن أحد الأندية الرياضية، بعد موسم من الإخفاق على كل المستويات، وبدلاً من الاعتراف والاعتذار وبدء ورشة للبحث والتصويب، تُحيل خطاياها إلى مبررات واهية وأسباب مُضحكة.


وكذلك المُمثّل أو المُخرج الذى يُبدع عملاً رديئا، ولا يجد أى قبول من الجمهور؛ ثمّ يُصرّح بأنه مُقبل على تحدٍّ تال بعد نجاح مُغامرته السابقة. فلا يكفيه الهروب من الواقع الثقيل؛ بل يُزيّفه بعنادٍ، مستعيرًا مقولة وزير الدعاية النازية جوزيف جوبلز الشهيرة: «اكذب واكذاب حتى يصدقك الناس».
ولو أن الفاشل أقرّ بفشله؛ لكسب احترام الناس أوّلاً، وامتصّ غضبهم؛ ثم أفسح لنفسه فرصة وبراحًا عريضًا للمُراجعة، واستلهام العِبَر، وضمان أن يتخلّص فى المحاولة التالية من رواسب الأولى، ويستدرك على الأخطاء التى لم يرَها، ولا تمنعه من رؤيتها إلا المكابرة والزهو المريض بالذات فى أشد حالاتها هشاشة وانكشافًا!


يُناطح الملالى عن غير مقدرة، ويُهدِّد ترامب دون رغبة أو مصلحة. قد يُنفذ ضربة سريعة مُكثّفة، يمتصّها الإيرانيون، يعودون للطاولة بعدها؛ ثم تبدأ المُماطلة من جديد. كلاهما مُتعنتٌ مع النفس والآخر، مُنصرف عن الحقائق، ومُتعامٍ عن مواطن القوّة والضعف على الناحيتين.
العالم لا يحتاج ملائكة أو شياطين، ولا يحتاج بشرًا «سوبر». يكفيه أن يكون الناس ناسًا عاديين، يُخطئون ويُصيبون كعادتهم؛ إنما مع شجاعة الاعتراف، ورغبة التصويب.


على امتداد الأرض، تتنوّع المُجتمعات: أعراقا وألوانا وثقافات؛ ويظل للنجاح طعم حلو لا يختلف عليه الناس، كما للإخفاق نكهة لاذعة، ويتحدث لُغة واحدة مهما تعدّدت اللغات!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة