محمود عبد الراضى

المعارك المجانية على السوشيال ميديا

الأحد، 24 مايو 2026 02:20 م


يدخل المرء إلى الفضاء الأزرق بحثاً عن نافذة تواصل، فيجد نفسه فجأة وسط ساحة حرب لا تبقي ولا تذر.

إنه العجب العجاب في زمن السوشيال ميديا، حيث بات يتطوع الملايين لخوض "معارك مجانية" على منصات مثل فيسبوك، معارك لا يخرج منها أحد منتصراً، بل الجميع فيها مهزوم.

في تلك الساحات الواهية، يخسر المرء صديقاً قريباً، أو جاراً عزيزاً، أو حتى يكتسب عداوة شخص غريب لا يعرفه ولم يره قط، وكل ذلك من أجل انتصار زائف لا يسمن ولا يغني من جوع.


ما يسمونه "وجهات نظر" بات لا يمت للنظر بصلة، بل هو "عمى بصر وبصيرة"؛ فبمجرد أن تتبنى رأياً مغايراً أو تطرح فكرة لا تروق للقطيع الإلكتروني، تنهال عليك "وصلات الردح" الرقمي بدلاً من الحوار، وتتحول المناقشة إلى سيل من الألفاظ النابية التي يندى لها الجبين.

لقد تحول فيسبوك، للأسف الشديد، من منصة لتبادل الأفكار إلى ما يشبه المراحيض العامة التي تستقبل الفضلات الفكرية، مهددة بهدم الذوق العام، وتجريف القيم الجميلة التي نشأت عليها مجتمعاتنا.

في هذه الغابة الرقمية، استبيحت الخصوصيات، وتحول الجدال الصاغ إلى صراع وجداني مرير، والنتيجة الحتمية لهذا المشهد الفوضوي هي ولادة جيل مشوش، تائه بين الشاشات، يتغذى على العنف اللفظي، في ظل غياب حقيقي ودور باهت للأسرة التي تركت أبناءها فريسة لخوارزميات لا ترحم.

من هنا، نطلق صرخة نذير، قد لا تكون مبكرة في توقيتها، لكنها تظل ضرورية للغاية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من عقول تتبدد وقيم تحتضر خلف الشاشات المضيئة.

لا بد أن ندرك قبل فوات الأوان أن شاشات الهاتف ليست ساحات لتصفية الحسابات، وأن كرامة الإنسان الحقيقية تبدأ من الحفاظ على لغته ونقاء قلبه، وسلام على من مر على عيوب الناس فسترها، وعلى جهل الآخرين فتجاوزه بالصمت الجميل والموقف النبيل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة