مبروك .. وألف ألف مبروك للزمالك الكيان العريق وصاحب مدرسة الفن والهندسة بالفوز بدرع الدوري والتتويج بالرقم 15 في تاريخه.
يستحق أن يفرح جمهور الزمالك هذه الفرحة الجنونية ويبدع ويتفنن فيها..فهو جمهور فنان مثل فريقه… صار حديث العالم في تشجيعه ووقوفه خلف فريقه رغم كل الظروف الصعبة والصعوبات والأزمات والمشاكل التي واجهت الفريق والنادي طوال عام كامل، أصبحت دخلاته وشعاراته وحضوره بهذه الأعداد الضخمة مصدر دهشة واعجاب من جماهير مصر والعالم العربي.
جمهور الزمالك حير الجميع من الأصدقاء والأنصار قبل المنافسين الذين راهنوا على سقوط ناديه وانهياره وضياعه مثل أندية شعبية كثيرة وآخرها الاسماعيلي في ظل أزمات مالية طاحنة ومشاكل ادارية وعدم قييد لاعبين وقوام لاعبين لا يقدر على الاستمرار في خوض المنافسات، وقضايا دولية وأراضي مسحوبة وخزينة شبة مفلسة ومستحقات لم يحصل عليها اللاعبون والعاملون داخل النادي.
لاعبون قدامي وكبار أعلنوا بصوت عال وبثقة كروية لا يشق لها غبار أن الزمالك سوف يهبط الموسم الكروي الحالي ، أحدهم أقسم أنه لن يعود للظهور على شاشات الفضائيات في حالة فوز الزمالك بالدوري ، وآخر أشاح بكلتا ذراعية بأن الزمالك (لن يحقق شيئا وربنا يستر على عدم هبوطه)، ليس هذا فقط ورغم كل ظروف الزمالك ونتائجه السيئة في بداية مشوار الدوري العام، أحاطت به وحاصرته بيئة اعلامية معادية وماكينة شائعات لم تتوقف لاحباطه والاجهاز عليه رغم أن الفريق لم ينقصه كل ذلك.
عاش الزمالك العامين الأخيريين في أجواء نفسية محبطة ومشاكل بالجملة كانت كفيلة أن تؤدي بأي نادي في مصر والعالم الى الهاوية وشبح الهبوط ثم التيه ويصبح آثرا وذكرى وحائطا للبكاء على الماضي. تخلى عنه الكثيرون ولم يمد له أحد يد العون، الا عدد قليل من الأوفياء والمخلصين من الزملكاوية الحقيقيين.
الوحيد الذي قرر ألا يموت هذا النادي وينتهي ويقضى عليه مهما ساءت الأمور وأسودت الدنيا أمامه هو جمهوره العظيم الذي أدهش وأبهر الجميع بوقفة الرجالة أمام ناديه وفريقه وليس خلفه. الجمهور كان هو اللاعب رقم ا في الملعب وليس اللاعبين أو الجهاز الفني . هو المحفز والمشجع والداعم والمحب والعاشق للكيان. قرر الجمهور أن يدفع الفريق الذي يعاني من الأزمات والمشاكل الى الأمام والى تحقيق المعجزة وتحطيم النظريات التقليدية وقلب موازين المعادلة وتطويع معايير صناعة كرة القدم في ظل العولمة ولغة المال الى منطق آخر من روحه ودمه ووفاءه واخلاصه وعشقه للزمالك ليصنع للتاريخ الكروي منطق ونظرية جديدة مفادها " أن البطولة لا يصنعها المال وحده ولا الأسماء الرنانة التي تلهث خلفه" .. فالبطولة أيضا لا يلقاها الا الصابرون والمخلصون والأوفياء والمجتهدون والمقاتلون بشرف والمدافعون عن شرف الكيان وسمعته وتاريخه رغم الفوارق الضخمة في كل شىء بين الزمالك ومنافسيه على البطولة. ولكل مجتهد نصيب ولا يضيع الله أجر من أحسن عملا.
الملايين من جمهور الزمالك من الناس الطيبة داخل وخارج المدرجات أثبتوا أنهم مثل " أبناء الصمت" الذين تحملوا الأزمات وتجرعوا مرارات الهزائم في بداية الموسم الكروي والسخرية والتهكم من كثيرين . كانوا وحدهم الواثقين والمؤمنين بقدرة النادي على اللصمود والنهوض من جديد .كانوا وحدهم الذين أمنوا بحلمهم وفي اخلاصهم وصمودهم لتحقيق الانتصار المعجزة بكل المقاييس.
" أبناء الصمت" كانوا يحدثون زلزالا في مدرجات الملعب بهدير قلوبهم قبل أصواتهم ولم يرفعوا راية الاستسلام كما رفعها البعض قليل الحيلة وفاقد البصيرة والأمل والطموح والايمان. وقرروا مواجهة المستحيل.
وكما قالوا " الانتصارات والبطولات تولد من رحم المعاناة والأحزان" فتحقق الفوز بالدوري الاستثنائي والأصعب في تاريخ البطولة منذ انطلاقها في نهاية الأربعينات ولن ينسى جمهور الزمالك في مصر وفي أنحاء العالم العربي الرقم 15 الأجمل والأحلى والأعظم في تاريخ النادي..فهو الرقم المعجزة في ظل الظروف الصعبة التي مر بها الفريق، الذي تعرض للكثير من عقوبات إيقاف القيد، ورحيل لاعبين بسبب عدم الحصول على مستحقاتهم المالية، والاستغناء عن الموهوب ناصر ماهر ودونجا، من أجل دفع رواتب باقي اللاعبين، وتفوق بامكانيات غير موجودة على المنافسين الأكثر استقرارا ماليا واداريا والمدججين بأسماء اللاعبين المرعبة.
فوز الزمالك ( بمشاكله وأزماته وهمومه وأحزانه) ستمنح الجميع درسا رائعا في صناعة كرة القدم ليست المحلية فقط وانما العالمية. وسيصبح تجربة تدرس داخل مجالس ادارات الأندية وتغير من نظريات مستقرة.
درس في أن المال- رغم أهميته- ليس وحده كفيلا بصناعة كل شيئ وانما الارادة والاخلاص والوفاء وسواعد الأبناء المنتمين والمخلصين، واللعب بروح قتالية داخل الملعب وبذل الجهد والعرق.
درس في أهمية الاهتمام بأشبال النادي وبقطاعات الناشئين دون الاندفاع نحو صفقات ( مليارية) لايهمها فقط سوى حب المال حبا جما على حساب تاريخ وسمعة النادي. وهو ما حققه أولاد رجال أمثال السيد أسامة ومحمد ابراهيم ومحمد السيد وايشو وخضيري والفرنساوي وأمير عبد العزيز وغيرهم الذين أصبحوا يمثلون المستقبلل الباهر للزمالك
درس في الاستعانة بأبناء النادي المخلصيين في الادارة الفنية للفريق وهو ما تجسد فعليا في الجهاز الفني للزمالك وعلى رأسه معتمد جمال المدير الفني، والذي أعاد المدربين المصريين لمنصة التتويج بالدوري مع الزمالك لأول مرة منذ تتويج عصام بهيج باللقب منذ 38 عاما.
درس في الحب والعشق لكيان يعيش فيهم ويجري بداخل عروقهم مجرى الدم ويسكن الروح والفؤاد..كيان أيها السادة اسمه الزمالك.
" أبناء الصمت" من جماهير القلعة البيضاء أثبتوا أن المستحيل ليس الزمالك رغم المعاناة والاحباط وحملات التشكيك وأنهم قادرون على تحريك وانطاق الحجر الأصم وقهر أصعب الظروف وعبور الأزمات واعتلاء منصات التتويج بجدارة واستحقاق وكتابة التاريخ بالأبيض والخطين الحمر.
وأثبتوا أيضا "أن تقع في حب نادي كروي، ليس بسبب البطولات، لكن لأنك ترى نفسَك فيه".
من حق جماهير الزمالك الوفية والمخلصة أن تفرح بجنون وتصنع فرحتها الخاصة بها فهي وحدها التي حققت هذا الانتصار الاستثنائي والتاريخي وانتزعت الدرع وغنت " توتة توتة خلصت الحدوتة" ..حدوتة مصرية اسمها الزمالك ، وأعلنت للعالم بأن " الدرع في ميت عقبة"