شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا في النقاشات حول الجلوتين ودوره في صحة الجهاز الهضمي، مع انتشار آراء تربط بين ارتفاع نسبته في بعض أنواع الدقيق وبين زيادة معدلات الانتفاخ وآلام البطن واضطرابات الأمعاء، حيث أصبح الجلوتين بالنسبة للبعض متهمًا رئيسيًا في كثير من المشكلات الصحية، إلا أن قراءة الأرقام والحقائق العلمية تكشف أن القضية أكثر تعقيدًا من هذا التصور.
الجلوتين هو مجموعة من البروتينات الطبيعية الموجودة في القمح والشعير والجاودار، وتتمثل أهميته في منح العجين المرونة والقوام المتماسك أثناء صناعة الخبز والمخبوزات، وتختلف نسبته في الدقيق باختلاف نوع القمح المستخدم ودرجة الطحن ونسبة البروتين الموجودة فيه.
فعلى سبيل المثال، تحتوي أنواع دقيق المعجنات والحلويات غالبًا على نسبة بروتين تتراوح بين 8 و10%، بينما ترتفع النسبة في دقيق الخبز إلى 12–14%، وقد تصل في بعض أنواع القمح عالي البروتين إلى 14–15% أو أكثر. وكلما ارتفعت نسبة البروتين زادت قوة الجلوتين وقدرته على تكوين شبكة مرنة داخل العجين.
لكن السؤال الأهم: هل زيادة الجلوتين تعني زيادة أمراض الجهاز الهضمي؟
وفقًا للبيانات الطبية، فإن الغالبية العظمى من الأشخاص لا تعاني من مشكلات صحية مباشرة بسبب الجلوتين، وفي المقابل توجد فئات محددة قد تتأثر به، أبرزها مرضى السيلياك وهو مرض مناعي يهاجم فيه الجسم بطانة الأمعاء الدقيقة عند تناول الجلوتين. وتشير التقديرات العالمية إلى أن نسبة المصابين به تبلغ نحو 1% من سكان العالم.
كما توجد حالات أخرى تعرف بحساسية أو عدم تحمل الجلوتين غير المرتبط بمرض السيلياك، وتختلف التقديرات بشأنها، لكن بعض الدراسات تشير إلى أنها قد تتراوح بين 0.5 و6% من السكان.
في المقابل، تشير دراسات عديدة إلى أن اضطرابات الجهاز الهضمي الشائعة قد ترتبط بعوامل متعددة، مثل انخفاض تناول الألياف الغذائية، والإفراط في تناول الأغذية المصنعة، وزيادة استهلاك السكريات والدهون، إلى جانب الضغوط النفسية والتوتر واضطرابات النوم.
وتوضح بيانات غذائية أن متوسط استهلاك الألياف في كثير من الأنظمة الغذائية الحديثة يقل عن 25–30 جرامًا يوميًا الموصى بها للبالغين، وهو ما قد يسهم في ظهور الإمساك والانتفاخ واضطرابات الهضم أكثر من الجلوتين نفسه لدى كثير من الأشخاص.
لذلك يرى متخصصون أن تحويل الجلوتين إلى المتهم الوحيد في مشكلات الجهاز الهضمي قد يكون تبسيطًا مفرطًا لقضية معقدة. فالعلاقة بين الغذاء وصحة الأمعاء ترتبط بمجموعة واسعة من العوامل، وليس بعنصر غذائي منفرد.
وفي النهاية، يظل التشخيص الطبي هو الفيصل، خاصة أن استبعاد الجلوتين من النظام الغذائي دون سبب طبي واضح قد يؤدي إلى نقص بعض العناصر الغذائية أو الاعتماد على بدائل ليست بالضرورة أكثر فائدة من الناحية الصحية.