استكمالًا لعهد الرئيس محمد نجيب:
قال عنه ثروت عكاشة، أحد الضباط الأحرار، في كتابه مذكراتي بين السياسة والثقافة:
"كان اللواء محمد نجيب أحد قادة الجيش المرموقين لأسباب ثلاثة: أولها أخلاقياته الرفيعة، وثانيها ثقافته الواسعة، فهو حاصل على ليسانس الحقوق، وخريج كلية أركان الحرب، ويجيد أكثر من لغة، وثالثها شجاعته في حرب فلسطين، التي ضرب فيها القدوة لغيره، وظفر بإعجاب الضباط كافة في ميدان القتال".
وبمرور الوقت، باتت وجهات نظر اللواء محمد نجيب الليبرالية، ورغبته في إقامة نظام ديمقراطي، تلقى استياءً متزايدًا من جمال عبد الناصر وأنصاره.
وبحلول فبراير 1954، وصل الضغط عليه إلى النقطة التي اضطرته إلى تقديم استقالته إلى مجلس قيادة الثورة، إذ أصبح عبد الناصر رئيسًا للوزراء، وترك منصب الرئاسة شاغرًا.
لكن تحت ضغوط جماعات مدنية وعسكرية، أعاد مجلس قيادة الثورة اللواء نجيب إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء.
وقد وافق عبد الناصر على بعض مطالب نجيب، من خلال السماح بإحياء الأحزاب السياسية، والدعوة إلى جمعية تأسيسية لصياغة الدستور.
لكن ناصر عزم على تطهير الجيش من أنصار اللواء نجيب، الذي فقد منصب رئيس الوزراء في أبريل 1954، ثم منصب الرئاسة في نوفمبر من العام نفسه.
وعندما وقعت محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954، تم اتهام نجيب ضمنيًا، حيث اتُّهمت جماعة جماعة الإخوان المسلمين بتدبير الحادث، والتي كان نجيب متعاطفًا معها، فتم وضعه قيد الإقامة الجبرية في 14 نوفمبر 1954.
وفي ذلك اليوم، عندما خرج من سيارته داخل القصر، فوجئ بالصاغ حسين عرفة من البوليس الحربي، ومعه ضابطان و10 جنود يحملون الرشاشات يحيطون به، فصرخ في وجه حسين عرفة طالبًا منه الابتعاد حتى لا يتعرض جنوده للاشتباك مع جنود الحرس الجمهوري، فاستجاب له ضباط وجنود البوليس الحربي.
ثم اتصل بجمال عبد الناصر ليستفسر منه عما يحدث، فأجابه عبد الناصر بأنه سيرسل عبد الحكيم عامر لمعالجة الموقف.
وعندما وصل عبد الحكيم عامر، قال له في خجل: "إن مجلس قيادة الثورة قرر إعفاءكم من منصب رئاسة الجمهورية".
فرد عليه نجيب: "أنا لا أستقيل الآن، لأنني بذلك سأصبح مسؤولًا عن ضياع السودان، أما إذا كان الأمر إقالة فمرحبًا".
وتم تحديد إقامته في فيلا زينب الوكيل، لمدة قال إنها لن تزيد على بضعة أيام، على وعد أن يعود بعدها إلى منزله، لكنه لم يخرج من هذه الفيلا طوال 30 عامًا.
تغييب اسم محمد نجيب
على الرغم من الدور السياسي والتاريخي البارز للرئيس محمد نجيب، فإنه بعد الإطاحة به من الرئاسة، تم شطب اسمه من جميع الوثائق والسجلات والكتب طوال ثلاثين عامًا، حتى اعتقد كثير من المصريين أنه قد توفي.
وكان يُذكر في الوثائق والكتب أن عبد الناصر هو أول رئيس لمصر، واستمر هذا الأمر حتى أواخر الثمانينيات، عندما عاد اسم نجيب للظهور من جديد، وأعيدت الأوسمة لأسرته، وأُطلق اسمه على بعض المنشآت والشوارع.
وفي عام 2013، مُنحت عائلته قلادة النيل العظمى.
جمال عبد الناصر من 25 يونيو 1956 إلى 28 سبتمبر 1970
وُلد جمال عبد الناصر حسين خليل سلطان المري في 15 يناير 1918 بحي باكوس في الإسكندرية.
وهو ينتمي إلى أسرة صعيدية عربية قحطانية، فوالده من قرية بني مر بمحافظة أسيوط، ونشأ في الإسكندرية، حيث عمل والده وكيلًا لمكتب بريد باكوس.
وكانت والدته السيدة «فهيمة» من مدينة ملوي، وكان جمال عبد الناصر أول أبناء والديه، ثم أُنجِب بعده عز العرب والليثي.
ويقول كُتّاب سيرة عبد الناصر، روبرت ستيفنز وسعيد أبو الريش، إن عائلة عبد الناصر كانت تؤمن بفكرة "المجد العربي"، ويتضح ذلك في اسم شقيقه "عز العرب"، والذي كان اسمًا نادرًا في مصر.
أدت سياسات عدم الانحياز التي انتهجها عبد الناصر خلال الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي إلى توتر العلاقات مع القوى الغربية، التي سحبت تمويلها لمشروع السد العالي، الذي كان عبد الناصر يخطط لبنائه.
فكان رد عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس سنة 1956، مما لاقى استحسانًا داخل مصر والوطن العربي.
وبناءً عليه، قامت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بشن العدوان الثلاثي على مصر، لكنهم سرعان ما انسحبوا وسط ضغوط دولية، مما أدى إلى تعزيز مكانة عبد الناصر السياسية، وتزايد شعبيته في المنطقة العربية بشكل كبير، إلى جانب تعالي الدعوات إلى الوحدة العربية تحت قيادته، وهذا ما تحقق جزئيًا بتشكيل الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا بين عامي 1958 و1961.
قدم ناصر دستورًا جديدًا سنة 1964، وفي العام نفسه أصبح رئيسًا لحركة عدم الانحياز الدولية.
وبدأ عبد الناصر ولايته الرئاسية الثانية في مارس 1965 بعد انتخابه دون معارضة.
وفي عام 1967، اجتاحت إسرائيل قطاع غزة، الذي كان خاضعًا للحكم المصري، وكذلك شبه جزيرة سيناء.
وقدم عبد الناصر استقالته من جميع مناصبه السياسية على خلفية هذه الهزيمة، لكنه تراجع عنها عقب مظاهرات حاشدة طالبت بعودته إلى الرئاسة.
وبين عامي 1967 و1968، عيّن عبد الناصر نفسه رئيسًا للوزراء بالإضافة إلى منصبه رئيسًا للجمهورية، وبدأ الإعداد لـ حرب الاستنزاف بهدف استعادة الأراضي المفقودة في حرب 1967.
حرب الاستنزاف
بعد حرب يونيو 1967، بدأت حرب الاستنزاف في 1 يوليو 1967 واستمرت حتى 7 أغسطس 1970، وكان لها دور كبير في رفع معنويات الجيش المصري والشعب بعد الانتصارات التي حققتها القوات المسلحة في عدة معارك كبيرة، مثل معركة رأس العش في 1 يوليو 1967، وتدمير المدمرة إيلات، وقصف ميناء إيلات.
وفي 30 يونيو 1970، أسقط الدفاع الجوي المصري 24 طائرة فانتوم وسكاي هوك، ليُطلق على هذا الحدث "أسبوع تساقط الفانتوم".
وبعد اختتام قمة جامعة الدول العربية عام 1970، تُوفي عبد الناصر إثر تعرضه لنوبة قلبية، وشيع جنازته أكثر من خمسة ملايين شخص.
واختلفت الآراء حول تقييم الرئيس جمال عبد الناصر وفترة حكمه للبلاد، إذ يعدّه مؤيدوه رمزًا للكرامة والوحدة العربية، بينما يصفه معارضوه بالحاكم المستبد، وينتقدون انتهاكات حكومته لحقوق الإنسان.
محاولات اغتيال عبد الناصر
تعرض عبد الناصر لعدة محاولات اغتيال في حياته، كان أبرزها محاولة اغتياله في حي المنشية بالإسكندرية عام 1954، والتي نُسبت إلى أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، رغم أن الجماعة نفت علاقتها بالحادثة.
وشن عبد الناصر بعد ذلك حملات أمنية واسعة ضد جماعة الإخوان المسلمين.
ويصف المؤرخون عبد الناصر بأنه واحد من أبرز الشخصيات السياسية في التاريخ الحديث للشرق الأوسط خلال القرن العشرين.
للحديث بقية…