حسين عبدالبصير

لماذا يبقى المصرى عاشقًا للفرح؟

الجمعة، 22 مايو 2026 12:00 م


في حياة المصريين شيء يثير الدهشة حقًا. فعلى الرغم من كل ما مرّ على هذه الأرض من حروب وأزمات وتحولات وصعوبات اقتصادية وتقلبات سياسية عبر آلاف السنين، بقي المصري قادرًا على الضحك، وعلى صناعة البهجة، وعلى البحث عن لحظة فرح صغيرة وسط أكثر الأيام قسوة.

وربما لهذا السبب يظل السؤال حاضرًا دائمًا: لماذا يبقى المصري عاشقًا للفرح؟

الإجابة تبدأ من التاريخ نفسه. فمنذ فجر الحضارة، لم يكن المصري القديم مجرد إنسان يعيش على ضفاف النيل، بل كان إنسانًا فهم مبكرًا معنى الحياة وقيمتها. أدرك أن العالم ليس مكانًا للحزن الدائم، وأن الإنسان يحتاج إلى الجمال والموسيقى والاحتفال مثلما يحتاج إلى الطعام والماء.

ولهذا كانت الحضارة المصرية القديمة واحدة من أكثر حضارات العالم احتفاءً بالحياة. امتلأت جدران المعابد والمقابر بمشاهد الرقص والغناء والصيد والولائم والاحتفالات. وحتى في المقابر، التي ارتبطت بفكرة الموت، حرص المصري القديم على تصوير مظاهر الفرح والحياة اليومية، وكأنه كان يعلن انتصار الحياة على الفناء.

وكان المصري القديم يؤمن بأن التوازن أساس الكون. وهي الفكرة التي عبّرت عنها «ماعت»، رمز الحق والعدل والنظام والانسجام. ومن هذا الإيمان العميق بالتوازن، نشأت شخصية مصرية تعرف كيف تواجه الألم دون أن تستسلم له بالكامل.

النيل أيضًا لعب دورًا مهمًا في تشكيل الروح المصرية. فهذا النهر العظيم لم يكن مجرد مصدر للماء، بل كان مصدرًا للإيقاع النفسي للحياة كلها. مواسم الزراعة والحصاد والفيضان خلقت علاقة خاصة بين المصري والطبيعة والزمن، وجعلته أكثر ارتباطًا بفكرة التجدد والأمل.

ولهذا ارتبطت الأعياد والمواسم دائمًا بالحياة المصرية. من احتفالات المصريين القدماء إلى الموالد الشعبية والأعياد الدينية الحديثة، ظل المصري يجد في التجمع والاحتفال والغناء وسيلة لمقاومة القلق والخوف وضغوط الحياة.

ومن المدهش أن المصري يمتلك قدرة نادرة على تحويل الأشياء البسيطة إلى مصادر للسعادة. جلسة شاي على مقهى قديم، نزهة على كورنيش النيل أو البحر، أغنية يحبها، مباراة كرة قدم، ضحكة مع الأصدقاء، أو حتى حديث عابر في الشارع؛ كلها تفاصيل صغيرة لكنها تصنع حالة خاصة من الدفء الإنساني.

وقد انعكس ذلك بوضوح في الفن المصري. فالأغنية المصرية، والسينما، والمسرح، وحتى النكتة الشعبية، لعبت أدوارًا مهمة في تشكيل الوعي الجمعي للمصريين. كان الفن دائمًا وسيلة للهروب المؤقت من القسوة، لكنه أيضًا وسيلة للتعبير عن الأمل والحلم والرغبة في الاستمرار.

ولذلك أحب المصريون نجومًا استطاعوا أن يمنحوهم البهجة والحنين، مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وإسماعيل ياسين وعادل إمام، لأن هؤلاء لم يكونوا مجرد فنانين، بل جزءًا من الذاكرة العاطفية للمصريين.

والمرأة المصرية لعبت دورًا جوهريًا في حماية روح الفرح داخل المجتمع. فهي التي صنعت دفء البيت، وحافظت على تفاصيل المناسبات، ونقلت العادات والذكريات من جيل إلى آخر. في الأعياد والأفراح والتجمعات العائلية، كانت المرأة دائمًا القلب الحقيقي للحياة الاجتماعية المصرية.

أما الشباب المصري، فرغم كل التحديات، فما زال يمتلك طاقة مذهلة للحلم والضحك والابتكار. وربما تكمن قوة المصري الحقيقية في قدرته على السخرية من الأزمات نفسها. فالنكتة عند المصري ليست مجرد دعابة، بل آلية دفاع نفسي وثقافي ضد الإحباط والخوف.

وفي المدن المصرية القديمة، من القاهرة إلى الإسكندرية، ومن أسوان إلى رشيد، ما زالت الشوارع تحتفظ بذاكرة طويلة من الحكايات والضحكات والأغاني. حتى الأماكن العتيقة تبدو وكأنها تحمل أرواح الناس الذين مروا بها عبر الزمن.
وربما السر الأعمق في الشخصية المصرية هو هذا الإيمان الداخلي العنيد بأن الحياة تستحق أن تُعاش مهما كانت الظروف. فالمصري يعرف أن الحزن جزء من الحياة، لكنه يرفض أن يمنحه الانتصار الكامل.

ولهذا يبقى المصري عاشقًا للفرح، ليس لأنه يعيش حياة سهلة، بل لأنه تعلّم عبر آلاف السنين أن الفرح نفسه شكل من أشكال المقاومة، وأن الابتسامة أحيانًا قد تكون أكثر قوة من اليأس.

إن الحضارة المصرية لم تبنِ الأهرامات والمعابد فقط، بل بنت أيضًا إنسانًا يعرف كيف يحلم، وكيف يحب، وكيف يحتفل بالحياة حتى في أصعب اللحظات. وربما لهذا السبب تحديدًا بقيت مصر، وستبقى دائمًا، بلدًا يملك قدرة استثنائية على تحويل الألم إلى أغنية، والتعب إلى ضحكة، والأيام العادية إلى أعياد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة