عادل السنهورى

" ولاد البطة السودة" يواجهون التنمر والتعصب على مسرح الهناجر

الخميس، 21 مايو 2026 02:15 م


قبل أن يدعوني الصديق الصحفي والفنان جمال عبد الناصر الى مشاهدة العرض المسرحي " ولاد البطة السودة" على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية مساء الأربعاء الماضي، فكرت فيما هو الجديد الذي يمكن أن يقدمه العرض، فالاجابة حاضرة في عنوان العرض أو كما يقولون" الجواب بيبان من عنوانه".

فكلمة "ابن البطة السودة" تعنى التمييز والتفريق والشعور بالتذمر وخاصة ممن لا يرون سوى السواد في الحياة أو يشعرون بالنقص لسبب ما، والكلمة تعود الى  الأديب الدنماركى هانس كريستيان أندرسن، الذي كتب رواية "البطة السوداء" أو " البطة القبيحة" ونشرها في 11 نوفمبر 1844، واتخذها الناس تيمة طريفة في حكاياتهم ومواقفهم اليومية.
وتدور قصة "البطة السودة" حول بطة فقست 7 بيضات خرج منها بط صغير جميل إلا بيضة واحدة تأخرت ولم تفقس، فانتاب البطة القلق وبعد فترة تحركت البيضة، وتكسرت جدرانها وخرج منها طائر أكبر حجماً لونه أسود، كان يعاني من نظرة انتقاص من البقية والسخرية منهم ونبذوه فلا أحد منهم يلعب معه، فهذا ما هز ثقته في نفسه، فأصبح وحيداً إلى أن حل فصل الشتاء وتعرض فيه لظروف قاسية كونه بلا مأوى، وبعد أن حل الربيع فوجئ بأنه قد أصبح طائر بجع جميل بريش أبيض لماع. الرواية تحولت فيما بعد إلى أفلام ومسرحيات وعروض باليه وأفلام كرتون.

في مصر والدول العربية، ارتبطت الجملة بمشاعر الظلم، حيث أصبح الشخص الذي يشعر بتفضيل الآخرين عليه أو تهميشه يقول متسائلاً: "هو أنا ابن البطة السودة؟!" ليه بتعامل كمنبوذ أو أقل شأناً من غيري؟.. الأسئلة التي يطرحها العرض المسرحي الممتع" ولاد البطة السودة" لا تقتصر فقط عند حدود المعنى المباشر للكلمة، فالكل هنا يحمل بداخله ذات التناقض والنفاق ومصاب بأمراض اجتماعية يحاول بأقنعة متعددة التبرؤ منها واتهام الآخرين بها، فالعنف والتنمر والتميز والعنف والاضطهاد والتحقير  سلوكيات يمارسها الجميع دون أن يدري وبالتالي يشعر بداخله أنه من " ولاد البطة السودة" ويسعى الى استعطاف الآخرين واستدرار الشفقة منهم ودفعهم الى الاحساس بتأنيب الضمير نحوه.

العرض يطرح حقيقة أن هؤلاء " ولاد البطة السودة" عبارة عن فئة مجتمعية تعيش على اجترار مواقف من الماضي واسترجاع مواقف الظلم والانتقاص التي حدثت لهم، ويشعرون بلذة عجيبة وهم يتقمصون دور الضحية التي عانت تنمر الآخرين عليها وسخريتهم منها، كما أنهم يبالغون في لوم من حولهم حتى يشعروهم بتأنيب الضمير وأنهم السبب فيما هم فيه من ألم وحزن.

المعالجة المسرحية للمخرجة المتميزة عبير علي حزين جاءت في اطار الكوميديا السوداء الساخرة والجريئة بتوظيف عناصر الفنون المسرحية المختلفة ، الحكي والتمثيل والغناء والرقص وديكور وملابس وإضاءة، في تناغم وتناسق مبهر، وتوظيف فن البانتومايم والظل واللقطات السينمائية الأرشيفية.

واستعانت مخرجة العرض بجرأة تحسب لها ولأبطال العرض في بناء دراما العرض، بالحكايات المتداولة في الحياة اليومية، والتي جرى تجميعها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ومن الأخبار المنشورة في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة ومن "حواديت" زمان ، وتم توظيفها في العمل المسرحي. واعتمدت المخرجة من خلال أبطال العرض على كسر الحاجز الوهمي الذي يفصل بين الممثلين والجمهور في المسرح والمعروف بـ "الجدار الرابع". وهو جدار متخيل يمنع الممثلين من رؤية أو مخاطبة الجمهور مباشرة، مما يحافظ على اندماج المشاهدين في القصة، ليتسع العرض من خلال التفاعل بين أبطال العرض ومخاطبة الجمهور بشكل مباشر ومشاركته. فالقضايا التي تناولها العرض لا تهم فقط " ولاد البطة السودة " على خشبة المسرح وانما تهم كافة الحضور من جمهور مثل قضايا الشرف، الطائفية، اللون والجنس والنوع  وتنميط السلوك على أساس النوع الاجتماعي، بالاستعانة بمشاهد وثائقية للحروب والعنف وما تسببه من دمار وخراب وموت.

تناول العرض كل هذة القضايا برؤية مسرحية مدهشة  لا تخلو من الكوميديا والضحك الذي يدعو الى التفكير والتأمل.

ومن الواضح أن هناك مجهود كبير ومكثف لتدريب أبطال العرض على الغناء والموسيقى والرقص والاستعراضات، إضافة الى الأداء التمثيلي.

عموما ورغم بعض الملاحظات البسيطة، فقد استمتعت مع الأصدقاء بالعرض المسرحي وأدعو كل عاشق ومحب للمسرح الى مشاهدته، فهو عرض جدير بالمشاهدة يؤكد على الدور التوعوي والتثقيفي للمسرح في مناقشة القضايا الاجتماعية في قالب فني تتضافر فيه عناصر الفرجة الممتعة.من خلال مجموعة متألقة من الفنانين يستحقون الاشادة والتحية على الأداء المسرحي الراقي رفيع المستوى.

العرض بطولة الفنانين جمال عبد الناصر ومحمد علي حزين ، محمد عبد المعز، ، همس شاكر، ولاء الجندي،فرح رجب ، بمصاحبة موسيقية من العازفين محمد موندي، مصطفى اللمبي، وديع، في توليفة فنية تجمع بين الأداء التمثيلي والغنائي والاستعراضي.

ويتولى دراماتورج وإخراج العرض عبير علي حزين، بمشاركة فريق الإخراج الذي يضم مانا مراد، إيهاب نعمان، دينا حمادة، وشريف زكي، بينما يتولى أحمد شمس مهمة المخرج المنفذ، ويشرف على تدريب الموسيقى والغناء هاني عبدالناصر، مع تصميم الاستعراضات لعلي جيمي، والمايم لمصطفى حزين، والديكور والملابس لعبد الله محروس بمساعدة راما القدور، وتنفيذ عبدالسلام كامل، إلى جانب تصميم الفيديو لمحمد مغربي، والإضاءة أبوبكر الشريف ، وكاميرا اللايف لحسام الهادي، والصوت لمحمد جامع، وإدارة خشبة المسرح لأحمد علي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة